السؤال وذمه تدل ظاهرا على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير ، بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقى في السؤال من المذلة وهتك المروءة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعلم من الفائدة له ولغيره ، فربّ شخص تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ، ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية ، وربما يكون بالعكس ، وربما يتقابل المطلوب والمحذور ، فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه المفتون ، فإن الفتاوي لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ، ولقد كان في السلف من له ثلاثمائة وستون صديقا ينزل على كل واحد منهم ليلة ، ومنهم من له ثلاثون ، وكانوا يشتغلون بالعبادة لعلمهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم ، فكان قبولهم لمبراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم ، فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور ، فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على الدين
شرح
رويناها ) آنفا ( في السؤال وذمه ) وكراهيته ( تدل ظاهرا ) أي بظاهر سياقاتها ( على أن التعفف عن السؤال أولى ) وإليه مال جماعة ( وإطلاق القول فيه ) بالأولوية ( من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص ) مع تباينها ( عسير ) جدا ( بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقى في السؤال من المذمة ) والدناءة ( وهتك ) حجاب ( المروءة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح ) المذمومين ( بما يحصل من استفادة بالعلم أو العمل من الفائدة له ولغيره ) ، ثم يتأمل في هذه المقابلة ، ( فرب شخص يكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية ) من المعاش ، ( وربما يكون بالعكس ، وربما يتقابل المطلوب والمحذور ) فيكونان على حد سواء ، ( فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه ) ما ذا يفتيه ولا يستفتي غيره ، ( وإن أفتاه المفتون ففي الخبر « استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك » وقد تقدم ذلك مفصلا في كتاب العلم ، ( فإن الفتاوي ) الظاهرة ( لا تحيط بتفاصيل الصور ) المتنوّعة ( ودقائق الأحوال ) الخفية ، ( فلقد كان في ) من مضى من ( السلف من ) كان ( له ثلاثمائة وستون صديقا ينزل على كل واحد ليلة ) نقله صاحب القوت والعوارف قالا : ( و ) فيهم ( من ) كان ( له ثلاثون صديقا ينزل على كل واحد نحو ثلاث مرات في الشهر فلا يستثقلون من وروده عليهم ، ( وكانوا يشتغلون أبدا بالعبادة ) ولا يتكسبون ( لعلمهم بأن المتكلفين بهم ) عند ورودهم عليهم ( يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم ، فكان قبولهم لخيراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم ) وهذا ملحظ دقيق ، ( فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور فإن أجر الآخذ ) للصدقة ( كأجر المعطي ) لها ( مهما كان الآخذ يستعين به على ) أمور ( الدين و ) كان ( المعطي يعطيه عن طيب قلب )