فقال له : يا أبا إسحاق إلى متى هذا ؟ اخوانك يكفونك ، فقال : دعني عن هذا يا أبا عمرو ، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة . وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوّت لك ، ولكن ابدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد . وقال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : ينادي مناد يوم القيامة :
أين بغضاء اللّه في أرضه ، فيقوم سؤال المساجد ، فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار . ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا الكسب والتجارة .
فإن قلت : فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أوحي إليّ ان أجمع المال وكن من التاجرين ، ولكن أوحي إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين »
شرح
الحزمة حزم كغرفة وغرف ، ( فقال له : يا أبا إسحاق ) وهي كنية إبراهيم ( إلى متى هذا أي اشتغالك بالمعاش وتركك الإقبال على العبادة ؟ ( اخوانك ) في اللّه ( يكفونك ) مؤونة العمل .
( فقال ) إبراهيم : ( دعني عن هذا ) العتاب ( يا أبا عمرو ) وهي كنية الأوزاعي ( فإنه بلغني ) عن بعض الأشياخ ( انه ) قال : ( من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة ) ، وكان إبراهيم قد هاجر إلى الشام لأجل طلب الحلال وله في ذلك أخبار ذكرها صاحب الحلية وغيره .
( وقال أبو سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى . ( ليس العبادة عندنا ) معاشر الصوفية ( أن تصف قدميك ) في الصلاة فلا تزال مصليا ( وغيرك يقوتك ) في العمل ، ( ولكن ابدأ ) أوّلا ( برغيفك ) للغداء والعشاء ( فاحرزها ) بعد تحصيلها ( ثم تعبد ) أي اشتغل بالعبادة ، وذلك لما فيه من تفرغ القلب للعبادة . وروى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سلمان الفارسي رضي اللّه عنه بسنده إليه قال : إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس .
( وقال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : ينادي مناد يوم القيامة ) أي على رؤوس الناس :
( أين بغضاء اللّه في أرضه ) جمع بغيض فعيل بمعنى مفعول أي الذي يبغضه اللّه تعالى ؟ ( فيقوم سؤال الناس في المساجد جمع سائل ، والمراد هم الذين يتكففون الناس في المساجد . وأخرج صاحب الحلية في ترجمة إبراهيم بن أدهم بسنده إليه قال : المسألة مسألتان : مسألة على أبواب الناس ، ومسألة يقول الرجل ألزم المسجد وأصلي وأصوم وأعبد اللّه ، فمن جاءني بشيء قبلته ، فهذا شر المسألتين وهذا قد ألحف في المسألة ؛ ( فهذه مذمة الشرع للسؤال ) من الناس ( والاتكال على كفاية الأغيار ) بتحمل المؤن والكلف ، ( ومن ليس له مال موروث ) قد ورثه عن أحد من قرابته ، ( فلا ينجيه من ذلك ) أي من السؤال والاتكال على الغير ( إلا أحد الشيئين الكسب ) في أي عمل كان ( والتجارة ) بأي نوع كانت .
( فإن قلت : فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أوحي إليّ ) أي من ربي ( أن أجمع المال ) أي من هنا ومن هنا ( وكن من التاجرين ، ولكن أوحي إلي أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين )