مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي ؟ فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم ، أما سمع قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه جعل رزقي تحت ظل رمحي » . وقوله عليه الصلاة والسلام حين ذكر الطير فقال : « تغدو خماصا وتروح بطانا » فذكر أنها تغدو في طلب الرزق ، وكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم .
وقال أبو قلابة لرجل : لأن أراك تطلب معاشك أحب إليّ من أن أراك في زاوية المسجد . وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم رحمهم اللّه وعلى عنقه حزمة حطب ،
شرح
من المكاسب ( حتى يأتيني رزقي ) أي من حيث لا أعلم . ( فقال أحمد ) في الجواب : ( هذا رجل جهل العلم ) وضلّ في تصوّره ( أما يسمع قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه جعل رزقي تحت ظل رمحي » ) يشير بذلك إلى الجهاد الذي هو أفضل أنواع الكسب ، والمراد بالرزق ما يوسع اللّه عليه من أسلاب الكفار وأموالهم وما يتيسر له من المغانم والفتوحات ، والحديث قال العراقي : رواه أحمد من حديث ابن عمر بلفظ : « جعل رزقي تحت ظل رمحي » .
( وقوله صلّى اللّه عليه وسلم حين ذكر الطير فقال : ( تغدو ) أي تصبح من أوكارها ( خماصا ) أي خالية البطن ( وتروح ) اي تعود مساء إلى أوكارها ( بطانا » ) أي ممتلئة ( فذكر أنها تغدو في طلب الرزق ولا تلازم أوكارها ، فأثبت لها السبب وهو الغدوّ . قال العراقي : رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمر . قال الترمذي : حسن صحيح اه .
قلت : ورواه أيضا ابن المبارك ، وأبو داود الطيالسي ، وأحمد كلهم في الزهد ، والنسائي ، وأبو يعلى ، والحاكم وصححه ، وأقره الذهبي ، ورواه أيضا ابن حبان ، والبيهقي ، والضياء في المختارة كلهم من حديث عمر رضي اللّه عنه ولفظهم جميعا « لو أنكم توكلون على اللّه حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » ومعنى : حق توكله أن تعلموا يقينا أن لا فاعل إلا اللّه وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع من اللّه ، ثم تسعون في الطلب على الوجه الجميل ، ومعنى التوكل إظهار العجز والاعتماد على المتوكل عليه .
( وكان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ) بأنواع التجارات يقصدون بذلك المعاش ، ( ويعملون في نخيلهم بحفر الأرض وسقيها وغرس النخل بها وإصلاح شأنها وعمارة ما فسد منها . ( قال ) أحمد : ( والقدوة بهم ) أي هم الذين يقتدى بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، فإنهم شاهدوا ما لم يشاهد من بعدهم . ( وقال أبو قلابة ) الجرمي ( لرجل ) من أصحابه : ( لان أراك تطلب معاشك ) بالتكسب والسعي لتحصيله بأسبابه المحصلة له ( أحب إليّ من أن أراك في زاوية المسجد ) معتزلا عن الناس مختليا فارغا عن الشغل .
( وروي أن ) أبا عمرو ( الأوزاعي ) الإمام المشهور ( لقي إبراهيم بن أدهم ) رحمة اللّه عليهما ( وعلى عنقه حزمة حطب ) وهو ما يجمع من الحطب طائفة فيجمعه ويشده بحبل وجمع