تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ما عنده بمعصيته » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « الأسواق موائد اللّه تعالى ، فمن أتاها أصاب منها » وقال عليه الصلاة والسلام : « لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن
شرح
ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بلفظ : « نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية اللّه فإن اللّه لا ينال ما عنده إلا بطاعته » .

تنبيه : [ في الإستبطاء ]

قال الطيبي : الإستبطاء بمعنى الإبطاء والسين للمبالغة ، وفيه أن الرزق مقدر مقسوم لا بد من وصوله إلى العبد لكنه إذا سعى وطلب على وجه مشروع وصف بأنه حلال ، وإذا طلب بوجه غير مشروع فهو حرام ، فقوله : ما عنده إشارة إلى أن الرزق كله من عند اللّه الحلال والحرام ، وقوله : أن يطلبه بمعصية اللّه إشارة إلى أن ما عند اللّه إذا طلب بمعصية سمي حراما . وقوله : إلا بطاعته إشارة إلى ما عند اللّه إذا طلب بطاعته مدح وسمي حلالا وفيه دليل ظاهر لأهل السنة أن الحرام يسمى رزقا والكل من عند اللّه خلافا للمعتزلة اه . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « الأسواق موائد اللّه تعالى فمن أتاها أصاب منها » قال العراقي : رويناه في الطيوريات من قول الحسن البصري ولم أجده مرفوعا اه . قلت : وهكذا هو في القوت قال أبو عمرو بن العلاء ، قال الحسن : فساقه . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن يأخذ أحدكم حبله ) وفي رواية حبلا وفي أخرى أحبله بالجمع ( فيحتطب بتاء الافتعال وفي مسلم فيحطب بغير تاء أي يجمع الحطب ، ( خير له من أن يأتي رجلا أعطاه اللّه من فضله فسأله أمرا دنيويا أعطاه أو منعه » ) متفق عليه من حديث أبي هريرة ، ولفظ البخاري : « والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحد حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس » وفي لفظ له : « خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه » . وليس عند مسلم « والذي نفسي بيده » ، وعنده فيحطب بغير تاء الافتعال ، ومثله رواية النسائي إلا أنه قال : فيحتطب كما عند البخاري وليست خير هنا أفعل تفضيل ، بل من قبيل أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا . وفي الحديث الحث على التعفف وتفضيل للسبب على البطالة ، وجمهور المحققين كابن جرير وأتباعه على أن السبب لا ينافي التوكل حيث كان الاعتماد على اللّه لا على السبب ، فإن احتاج ولم يقدر على الكسب اللائق جاز السؤال بشرط أن لا يذل نفسه ولا يلح ولا يؤذي المسؤول فإن فقد شرط منها حرم اتفاقا ، وقد روى ابن جرير في تهذيبه من حديث أبي هريرة : « لا يفتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح اللّه عليه باب فقر . لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي الجبل فيحتطب على ظهره فيبيع فيأكل خير له من أن يسأل الناس معط أو مانع » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 256 | مرتضى الزبيدي