تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
الثالث : أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف ، وتطييب قلبها بهدية على سبيل الامتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق . قال تعالى :
وَمَتِّعُوهُنَّ
[ البقرة : 236 ] وذلك واجب مهما لم يسم لها مهر في أصل النكاح . كان الحسن بن علي رضي اللّه عنهما
شرح
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاًوأنت لم تتق اللّه فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك . وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة ، وفي الموطأ بلاغا قال ابن عباس إني طلقت امرأتي مائة طلقة فما ذا ترى ؟ فقال ابن عباس : طلقت منك ثلاثا وسبع وتسعون اتخذت بها آيات اللّه هزوا ، وقد أجيب عن قوله : كان طلاق الثلاث واحدة بأن الناس كانوا في زمنه صلّى اللّه عليه وسلم يطلقون واحدة ، فلما كانوا في زمان عمر كانوا يطلقون ثلاثا . ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في زمن عمر ثلاثا كان يوقع قبل ذلك واحدة منهم لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا ، وكانوا يستعملونها نادرا ، وأما في زمن عمر فكثر استعمالهم لها ، وأما قوله : فأمضاه عليهم فمعناه أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله اه . وقال الكمال بن الهمام : تأويله أن قول الرجل أنت طالق أنت طالق أنت طالق كان واحدة في الزمن الأوّل لقصدهم التأكيد في ذلك الزمان ، ثم صاروا يقصدون التجديد فألزمهم عمر ذلك لعلمه بقصدهم . قال : وما قيل في تأويله أن الثلاث التي يوقعونها الآن إنما كانت في الزمن الأوّل واحدة تنبيه على تغير الزمان ومخالفة السنّة فيشكل إذ لا يتجه حينئذ قوله : فأمضاه عمر ، واختلفوا مع الاتفاق على الوقوع ثلاثا هل يكره أو يحرم أو يباح أو يكون بدعيا أو لا ؟ فقال الشافعي : يجوز جمعها ولو دفعة . وقال اللخمي من المالكية : ايقاع الاثنين مكروه والثلاث ممنوع لقوله تعالى :لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً[ الطلاق : 1 ] أي من الرغبة والمراجعة والندم على الفراق ، ولنا قوله تعالى :لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ[ البقرة : 236 ] وإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[ الطلاق : 1 ] وهذا يقتضي الإباحة ، وطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حفصة ، وكان الصحابة يطلقون من غير نكير ، حتى روي أن المغيرة بن شعبة كان له أربع نسوة فأقامهن بين يديه صفا . فقال : أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأرواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن الطلاق ، وكل هذا يدل على الإباحة . نعم الأفضل عند الشافعية أن لا يطلق أكثر من واحدة ليخرج من الخلاف ، وقال الحنفية : يكون بدعيا إذا أوقعه بكلمة لحديث ابن عمر عند الدارقطني قلت : يا رسول اللّه أرأيت لو طلقها ثلاثا ؟ قال : « إذا قد عصيت ربك وبانت منك امرأتك » ولأن الطلاق إنما جعل متعددا ليمكنه للتدارك عند الندم فلا يحل له تفويته ، وفي حديث محمود بن لبيد عند النسائي بسند رجاله ثقات قال : أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام مغضبا فقال : « أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم » . واللّه أعلم . ( الثالث : أن يتلطف التعلل بتطليقها من غير تعنيف ) أي إظهار عنف ( واستخفاف ) بشأنها ( وتطييب قلبها بهدية على سبيل الامتاع والجبر ) لما كسر من خاطرها ( في فجعها به من أذى الفراق قال اللّه تعالىوَمَتِّعُوهُنَّوذلك واجب مهما لم يسم لها مهرا في أصل