تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
شرح
منهي عنه ، فلا يكون مشروعا لنا حديث ابن عمر المتقدم ، فإنه أمره بالمراجعة والمراجعة بدون الطلاق محال ، ولا يقال المراد بالرجعة الرجعة اللغوية وهي الرد إلى حالها الأوّل ، لا أنه يجب عليه طلقة لأن هذا أغلظ إذ حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على حمله على الحقيقة اللغوية كما تقرر في الأصول ، وبأن ابن عمر صرح في حديثه بأنه حسبها عليه تطليقة كما رواه البخاري من طريق أنس بن سيرين قال : سمعت ابن عمر قال : طلق ابن عمر امرأته وهي حائض ، وفيه قال أنس بن سيرين فقلت لابن عمر أتحتسب ؟ قال : فمه أي انزجر عنه فإنه لا شك في وقوع الطلاق ، وكونه محسوبا في عدد الطلاق وهذا نص في موضع النزاع يرد على القائل بعدم الوقوع فيجب المصير إليه . وعند الدارقطني في رواية شعبة عن أنس بن سيرين فقال عمر : يا رسول اللّه ؛ أفتحتسب بتلك الطلقة ؟ قال : « نعم » وعنده أيضا من طريق سعيد بن عبد الرحمن اللخمي ، عن عبيد اللّه بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا قال : إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض فقال : « عصيت ربك وفارقت امرأتك » قال فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته بطلاق بقي له وأنت لم تبق لك ما ترتجع به امرأتك » . وقد وافق ابن حزم من المتأخرين الشيخ تقي الدين بن تيمية واحتجوا له بما عند مسلم من حديث أبي الزبير عن ابن عمر فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ليراجعها » فردها . قال : إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ، وزاد النسائي وأبو داود فيه « ولم يرها شيئا » لكن قال أبو داود : روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير . وقال ابن عبد البر : لم يقلها غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله ، فكيف بمن هو أثبت منه ؟ وقال الخطابي : لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا . وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في المعرفة : نافع أثبت من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا ، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثبت وحمل قوله : « لم يرها شيئا » على أنه لم يعدها شيئا صوابا . وقال الخطابي : لم يرها شيئا تحرم معه المراجعة ، وقد تابع أبا الزبير غيره ، فعند سعيد بن منصور من طريق عبد اللّه بن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس ذلك بشيء » وكل ذلك قابل للتأويل وهو أولى من تغليط بعض الثقات . وقال ابن القيم منتصرا لشيخه ابن تيمية : الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود ، وأيضا فكما أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد ، وأيضا فهو طلاق منع منه الشرع ، فأفاد منعه عدم إيقاعه ، فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلّا لم يكن للمنع فائدة لأن الزوج لو وكّل رجلا أن يطلق امرأته على وجه فطلقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ ، فلذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحا ، فإذا طلق طلاقا محرما لم يصح ، وأيضا فكل ما حرمه اللّه من العقود مطلوب الإعدام ، فالحكم ببطلان ما حرمه أقرب إلى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 217 | مرتضى الزبيدي