تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
الثالث : أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهي التي تطيب قلوب النساء ، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق ، حتى روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما ، وسبقها في بعض الأيام ، فقال عليه السلام : « هذه بتلك » وفي الخبر : أنه كان صلّى اللّه عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء ، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أتحبين أن تري لعبهم » ؟
شرح
قال النووي : هذا هو المشهور ، وروي « بالعباد » كل منهما صحيح وواقع . وفي فوائد أبي الدحداح عن علي « كان أرحم الناس بالناس » . ( الثالث : أن يزيد على احتمال الأذى بالملاعبة والمزح والمداعبة ، وكل هذه الالفاظ قريبة المعنى ، والدعابة بالضم اسم لما يستملح من المزح ( وهي التي تطيب قلوب النساء ) ويستملن إليه ، ( وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمزح معهن ) والمزح : هو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له وبه فارق الهزل والسخرية ، ( وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والاخلاق ) ولفظ القوت : ويقاربهن في عقولهن في المعاملة والاخلاق منهن اه . اعلم أن المداعبة لا تنافي الكمال بل هي من توابعه ومتمماته إذا كانت جارية على القانون الشرعي بأن يكون على وفق الصدق والحق ، ويقصد تألف القلوب وجبرها وحسن المعاشرة وادخال السرور والرفق ، والمنهي عنه من المزاح ما يورث حقدا ويسقط المهابة والوقار ويورث كثرة الضحك وقسوة القلب ، والإعراض عن ذكر اللّه تعالى ومزاحه صلّى اللّه عليه وسلم سالم من جميع هذه الأمور يقع منه صلّى اللّه عليه وسلم على جهة الندرة لمصلحة تامة من مؤانسة بعض نسائه أو أصحابه ، فهو بهذا القصد سنة ، وما قيل الأظهر أنه مباح لا غير فضعيف . إذ الأصل في أفعاله صلّى اللّه عليه وسلم وجوب أو ندب للتأسي به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك ثم إن المزاح قد يقع بغير الكلام ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( حتى روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يسابق عائشة ) رضي اللّه عنها ( في العدو ) وهو الجري الشديد ( فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام فقال : « هذه بتلك » ) قال العراقي : رواه أبو داود ، والنسائي في الكبرى ، وابن ماجة من حديث عائشة بسند صحيح . ( وفي الخبر أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان من أفكه الناس ) إذا خلا ( مع نسائه كذا في القوت . قال العراقي : رواه الحسن بن سفيان في مسنده من حديث أنس دون قوله « مع نسائه » . ورواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط فقالا : « مع صبي » وفي سنده ابن لهيعة اه أي وقد تفرد به . وقد رواه ابن عساكر أيضا دون قوله « مع نسائه » ووجد في بعض نسخ مسند البزار زيادة « مع نسائه » والفكاهة بالضم المزاح ورجل فكه ذكره الزمخشري . ( وقالت عائشة رضي اللّه عنها : سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم ) ممن يتفرج معهم ( وهم يلعبون ) بالحراب والدرق ( في يوم عاشوراء ) وذلك في المسجد النبوي ( فقال لي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 142 | مرتضى الزبيدي