تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
له ، وإنما لكل عبد منه بقدر رزقه
لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] .
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[ الكهف : 109 ] ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب .
شرح
وخوف وتضرع وتبرىء وابعاد وتقريب وتوبيخ وعتاب وتأمين وإمهال ، فليكن حظ التالي من كل ذلك ما يهديه إليه فهمه من المعاني المناسبة للمقام ، ( فلا يمكن استقصاء ما يفهم منها لأنه لا نهاية له ) وحسنه لا تنقضي عجائبه ، ( وإنما لكل عبد منه بقدر ما رزق ) فيه من الفهم الصحيح( لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ )[ الأنعام : 59 ] ، وفيه علم الأولين والآخرين قال الشيخ الأكبر قدّس سره في كتاب الشريعة : البرودة أصل فاعلي والحرارة أصل فاعلي والرطوبة واليبوسة فرعان منفعلان ، فتبعت الرطوبة البرودة لكونها منفعلة عنها ، فلهذا تكوّنت الفضة على النصف من زمان تكوين الذهب لأن المدة لحصول كمال الورق ثماني عشرة ألف سنة وهو نصف زمان كمال الذهب ، وهو ستة وثلاثون ألف سنة ، ولما كان المنفعل يدل على الفاعل ويطلبه بذاته ، لهذا استغنى بذكر المنفعل عن ذكر ما انفعل عنه لتضمنه إياه فقالوَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ[ الأنعام : 59 ] ولم يذكر ولا حار ولا بارد وهذا من فصاحة القرآن واعجازه ، وحيث علم أن الذي أتى به وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية ، فيعرف هذا القدر فعلم قطعا أن ذلك ليس من جهته وانهتَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍوأن القائل بهذا عالم وهو اللّه تعالى فعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم كل شيء بتعليم اللّه واعلامه لا بفكره ونظره وبحثه فلا يعرف مقدار النبوّة إلا من أطلعه اللّه على مثل هذه الأمور .( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً )[ الكهف : 109 ] روى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كلمات ربي يقول علم ربي ، وروى ابن أبي حاتم عن قتادة قال قبل أن تنفد كلمات ربي يقول : ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلامه وحكمه . ( ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ) نقله صاحب القوت ، وابن أبي جمرة في شرحه على المختصر . قال : وبيان ذلك أنه إذا قال الحمد للّه رب العالمين يحتاج إلى تبيين معنى الحمد وما يتعلق بالاسم الجليل الذي هو اللّه ، وما يليق به الاسم الجليل من التنزيه ثم يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على جميع أنواعه وأعداده وهي ألف عالم . أربعمائة في البر وستمائة في البحر ، فيحتاج إلى بيان ذلك كله ، فإذا قال الرحمن الرحيم يحتاج إلى بيان الاسمين الجليلين ، وما يليق بهما من الجلال وما في معناهما ، ثم يحتاج إلى بيان جميع الأسماء والصفات ، ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين الاسمين دون غيرهما ، فإذا قالمالِكِ يَوْمِ الدِّينِيحتاج إلى بيان ذلك اليوم وما فيه من المواطن والأهوال ، وكيفية مستقره ، فإذا قالإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُيحتاج إلى بيان المعبود من جلالته والعبادة