تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وجهه . لا أنه سيبطل في ثاني الحال بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته من حيث هو إلا أن يعتبر وجوده من حيث أنه موجود باللّه عز وجل وبقدرته ، فيكون له بطريق التبعية ثبات وبطريق الاستقلال بطلان محض . وهذا مبتدأ من مبادئ علم المكاشفة . ولهذا
شرح
للبصر ، مع أنه موجود في نفسه ، فالذي ليس موجودا لا بنفسه ولا بغيره كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة وفي مقابلته الوجود فهو النور ، فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره والوجود بنفسه أيضا ينقسم إلى ما الوجود له من ذاته ، وإلى ما الوجود له من غيره وماله الوجود من غيره موجود مستعار لا قوام له بنفسه ، بل إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإنما هو وجوده من حيث نسبته إلى غيره ، وذلك ليس بوجود حقيقي ، ومن هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى قلاع التحقيق ، واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا اللّه ، وان كل شيء ما خلا اللّه باطل ، وان كل شيء هالك إلا وجهه ( لا أنه سيبطل ) ويهلك ( في حال ثان ) أي في وقت من الأوقات ( بل هو الآن باطل ) وهالك أزلا وأبدا لا يتصوّر إلا كذلك . فإن كل شيء ( إن اعتبر ذاته من حيث هو ) أي من حيث ذاته فهو عدم محض ، ( إلا أن يعتبر وجوده من حيث أنه موجود باللّه عز وجل وقدرته ) أي من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول ، ( فيكون له بطريق التبعية ثبات ) أي يرى موجودا لا في ذاته . لكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود اصالة وجه اللّه فقط ، ( وبطريق الاستقلال ) والاصالة ( بطلان محض ) ولكل شيء وجهان . وجه إلى نفسه ، ووجه إلى ربه ، فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه اللّه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه فإذا كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا . ولم يفتقر هؤلاء إلى قيام القيامة ليسمعوا نداء الباري :لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[ غافر : 16 ] ، بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا . ( وهذا ) الذي ذكر ( مبدأ من مبادئ علوم المكاشفة ) ووراء ذلك أسرار يطول الخوض فيها ، فوجه في كل ذي وجه إليه فأينما تولوا فثم وجه اللّه فإذا لا اله إلا هو فلا هو إلا هو لأن هو ، لأن هو عبارة عما إليه إشارة ، وكيفما كان فلا إشارة إلا إليه ، بل كلما أشرت اليه فهو بالحقيقة إشارة إليه وإن كنت لا تعرفه أنت بغفلتك ، فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ظاهر المثال ، كنسبة النور إلى الشمس ، فإذا لا إله إلا اللّه توحيد العوام ، ولا هو إلا هو توحيد الخواص ، لأن هذا أدخل لصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة ، ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية ، فليس وراء ذلك مرقى إذ المرقى لا يتصور إلا بكثرة فإنه نوع إضافة يستدعي ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء . وإذا ارتفعت الكثرة حقت الوحدة وبطلت الإضافة وطاحت الإشارة ، فلم يبق علو ولا سفل ولا نازل ولا مرتفع ، فاستحال الترقي واستحال العروج ، فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة كثرة ولا مع انتفاء الكثرة عروج ، فإن كان من تغير حال فبالنزول إلى السماء الدنيا . أعني بالاشراف من علو إلى أسفل لأن الأعلى له أسفل وليس له أعلى ، فهذا غاية الغايات ومنتهى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 96 | مرتضى الزبيدي