وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام ، فإذا سمع منها أنهم كيف كذبوا وضربوا وقتل بعضهم فليفهم منه صفة الاستغناء للّه عز وجل عن الرسل والمرسل إليهم ، وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيئا وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة اللّه عز وجل وإرادته لنصرة الحق .
وأما أحوال المكذبين ؛ كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته ، وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب اغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة وتنفذ فيه القضية ، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن فلا يمكن استقصاء ما يفهم منها ، لأن ذلك لا نهاية
شرح
في الوجود إلا الواحد الحق ، ثم منهم من تكون له هذه الرؤية عرفانا علميا ، ومنهم من يصير له ذوقا وحالا وحينئذ يحصل لهم الاستغراق بالفردانية المحضة ، وتنتفي عنهم الكثرة بالكلية ، ولا يبقى فيهم متسع لذكر غير الصانع ولا لذكر أنفسهم أيضا فاعرف ذلك .
( وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام فإذا سمع منها انهم كيف كذبوا ) فيما بلغوه من رسالات ربهم إليهم ( و ) كيف ( ضربوا ) وأوذوا ، ( وقتل بعضهم ) كيحيى بن زكريا عليه السلام وغيره فليفهم منه ( صفة الاستغناء للّه عز وجل عن الرسل والمرسل إليه ) إذ الغني هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفاته ، بل يكون منزها عن العلاقة مع الاغيار فمن تعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته يتوقف عليه وجوده وكماله فليس بغني . وقد ثبت غناه عن كل شيء فلا افتقار له إلى الرسل ولا إلى المرسل إليه أولئك الرسل ( وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر ذلك في ملكه ) خللا لكمال غنى ذاته وغنى صفاته ، ( وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر ) وعصمتهم من أعدائهم ، ( فليفهم قدرة اللّه تعالى ) الباهرة ( وارادته لنصرة الحق ) حيث كان وإنه إنما نصرهم اللّه تعالى لكونهم قائمين بأداء الحق ونصرته ، فليفهم السالك من هذا انه إذا ثبت على الحق فلن يعدم من ناصر له عليه .
( وأما أحوال المكذبين ) لرسل اللّه عليهم السلام ( كعاد وثمود ) وفرعون واضرابهم ( وما جرى عليهم ) من ضروب نقم اللّه تعالى بأنواع الهلاك ، ( فليكن فهمه من ذلك استشعار الخوف من سطوة اللّه تعالى ) وقهره ( ونقمته ) من جنس ما أهلكوا به ، ( وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه ) خاصة ، ( وأنه ان غفل ) عن طاعة اللّه تعالى ( وأساء الأدب ) لمخالفته لأوامر اللّه تعالى ، ( واغتر بما أمهل ) في دنياه ممتعا بحواسه وحشمه وخدمه مفاضا عليه الخيور ، ( فربما تدركه ) صاعقة ( النقمة ) القهرية ( وتنفذ فيه القضية وتحق فيه كلمة اللّه فلا يجد عن ذلك محيدا ولا لأحواله شفيعا ، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار ) وما أعد اللّه فيهما من أنواع الثواب وأجناس العقاب ، ( و ) كذلك ( سائر ما في القرآن ) من وعد ووعيد رجاء