ثانيها : أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة . فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه ، فإن لمع برق على بعد وبداله معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال : كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك ؟ فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله . ولمثل هذا قالت الصوفية : إن العلم حجاب وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم .
شرح
اللّه تعالى والنظر إلى غيره لا نفاق الشك والإنكار لقدرة اللّه عز وجل ، فهو لا ينقل عن التوحيد ، ولكنه لا ينقل إلى المزيد ، فإذا كان العبد ملقي السمع بين يدي سميعه مصغيا إلى سبر كلامه شهيد القلب لمعاني صفات شهيده ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله ومعهود علمه متبريا من حوله وقوته معظما للمتكلم واقفا في حضوره مفتقرا إلى التفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد عيب الجواب .
( ثانيها : أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه ) من غير تحريك باعث على تحقيق ما يقلده ، وفي بعض النسخ لمذهب سمعه وحمل عليه بالتقليد ، ( ويثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ) نيرة ( ومشاهدة ) ساطعة ، ( فهذا شخص قيده معتقده ) أي ما يعتقده تقليدا لا عن تحقيق ( عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه ) . وهذا كذلك محجوب بعقله مردود إلى ما ركز في ذهنه ، ( فإن ) اتفق أنه ( لمع برق ) من شرف ( على بعد و ) ثنى بودق بأن ( بداله معنى من المعاني ) الشريفة العزيزة ( التي تباين مسموعه ) ومتلقاه عن أفواه مشايخه ( حمل عليه شيطان التقليد حملة ) منكرة وجلب عليه خيله ورجله ، ( وقال : كيف هذا يخطر ببالك ) أو تعير له أذنك ، ( وهو خلاف معتقد آبائك ) أي شيوخك الذين درجوا ؟ ( فيرى أن ذلك ) أي الذي فتح له فهم في ذلك المعنى الذي بدا له ( غرور الشيطان ) ويعده من تلبيساته ، ( فيتباعد عنه ) مرة ( ويحترز عن ) الوقوع في ( مثله ولمثل هذا قالت الصوفية ) قدس اللّه أسرارهم : ( إن العلم حجاب ) أي بين العبد والوصول إلى اللّه ، وأصل الحجاب جسم حائل بين جسدين ، ثم استعمل في المعاني فقيل : العجز حجاب بين الرجل ومراده والمعصية حجاب بين العبد وربه ، وعلى هذا يحمل قولهم العلم حجاب لأنه ساتر يمنع من الوصول إلى اللّه وربما يزيدون فيقولون حجاب اللّه الأكبر ، ( وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب ، وألقوها إليهم ، فأما العلم