فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله . فهو الكل على التحقيق . ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا اللّه باطل وأن كل شيء هالك إلا
شرح
يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل فمن عرف الحق رآه في كل شيء فهو منه وإليه وبه وله ) .
اعلم أن معرفة اللّه سبحانه بطريق الأسماء والصفات والأفعال بالكمال في الحقيقة لا يكون إلا للّه تعالى إلا إذا علمنا ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ندري حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم ، وإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بأنه عالم أيضا علما تاما بحقيقة هذه الصفة ، وإلا فلا . ولا يعرف أحد حقيقة علم اللّه تعالى إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له فلا يعرفه سواه تعالى ، وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه ، وعلم اللّه تعالى لا يشبه علم الخلق البتة فلا تكون معرفته به معرفة تامة حقيقة أصلا . بل ايهامية تشبيهية . وكذلك الحاصل عندنا من قدرة اللّه تعالى وانه وصف ثمرته واثره وجود الأشياء وينطلق عليه اسم القدرة لأنه يناسب قدرتنا مناسبة لذة الجماع لذة السكر ، وهذا كله بمعزل عن حقيقة تلك القدرة . نعم كلما ازداد العبد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنائع في ملكوت الأرض والسماوات كان حقه من معرفة صفة القدرة أوفر ، لأن الثمرة تدل على المثمر ، فهذا معنى قول المصنف : إذ الفعل يدل على الفاعل ، وإلى هذا يرجع تفاوت العارفين في معرفة اللّه تعالى ، فمن قال : لا أعرف إلا اللّه فقد صدق ، ومن قال : لا أعرف اللّه فقد صدق ، فإنه ليس في الوجود إلا اللّه تعالى وأفعاله ، فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله وكان مقصور النظر عليها ولم يرها من حيث أنها سماء وأرض وشجر ، بل من حيث أنها صنعة فلم تجاوز معرفته حضرة الربوبية ، فيمكنه أن يقول ما أعرف إلا اللّه ولا أدري إلا اللّه ، وهذا معنى قول المصنف : فمن عرف الحق رآه في كل شيء الخ . ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح أن يقول ما أرى إلا الشمس فإن النور الفائض منها هو من جملتها ليس خارجا عنها ، وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية ، وأثر من آثارها . وكما أن الشمس ينبوع النور الفائض على كل مستنير ، فكذلك المعنى الذي قصرت العبارة عنه فعبر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة هو ينبوع الوجود الفائض على كل موجود فليس في الوجود إلا اللّه .
( فهو الكل على التحقيق ) ومنه قول بعض العارفين : كل شيء « 1 » فيه كل شيء . ( ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه ) ، فصاحب هذا المقام هو الذي يقول لا أعرف اللّه وهو صادق ، كما أن قائل القول الأول صادق أيضا ولكن هذا بوجه وذلك بوجه فلا تناقض ، ( ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا اللّه باطل ، وأن كل شيء هالك إلا بوجهه ) اعلم أنه لا ظلمة أشد من ظلمة العدم ، لأنه مظلم وسمي مظلما لأنه ليس يظهر للأبصار إذ ليس كل موجود يصير موجودا
هامش
( 1 ) لعل هنا سقطا ا ه . من هامش الأصل .