الْمُتَكَبِّرُ
[ الحشر : 23 ] ، فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين . وإليه أشار علي رضي اللّه عنه بقوله : ما أسرّ إلى
شرح
فإذا علمت ذلك فالذي ذكره المصنف هنا من الصفات السميع والبصير وهما من القسم الخامس ، وهو ما يرجع إلى صفة . والملك والعزيز من القسم الرابع وهو ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة ، والقدوس والسلام من القسم الثاني ، وهو ما يدل على الذات مع سلب ، والمؤمن والمهيمن والجبار والمتكبر من القسم السابع ، وهو ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة .
( فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين ) أي الذين وفقهم اللّه تعالى لفهمها ، فكان له حظ وافر من معانيها .
وأما من تلاها لفظا أو سمعها وفهم في اللغة تفسيرها ووضعها واعتقد بالقلب معناها للّه تعالى فهو مبخوس الحظ نازل الدرجة ليس له ان يتبجح بما ناله ، فإن سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة حاسة السمع التي بها تدرك الأصوات ، وهذه رتبة تشاركه فيها البهائم . وأما فهم وضعه في اللغة فلا يستدعي إلّا معرفة العربية ، وهذه رتبة يشاركه فيها الأديب اللغوي بل الغبي البدوي ، وأما ثبوت معناه للّه تعالى من غير كشف فلا يستدعي إلا فهم معاني هذه الألفاظ والتصديق بها وهذه رتبة يشاركه فيها العامي بل الصبي فإنه بعد فهم الكلام إذا ألقي إليه هذه المعاني تلقاها وتلقنها واعتقدها بقلبه وصمم عليها . وهذه درجات أكثر العلماء فضلا عن غيرهم ، ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لم يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث . ولكنه نقض ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، بل حظوظ المقربين الموفقين من معاني هذه الأسماء والصفات ، ثلاثة :
الحظ الأول : معرفة هذه على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى تتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ ، وينكشف لهم اتصاف اللّه تعالى بها انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا باحساس ظاهره .
الحظ الثاني : من حظوظهم استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث من الاستعظام تشوّفهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليتقربوا بها من الحق قربا بالصفة لا بالمكان ، فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة المقربين عند اللّه تعالى ، ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام صفة واستشرافها إلا ويتبعه شوق إلى تلك الصفة ، وعشق لذلك الكمال والجلال ، وحرص على التحلي بذلك الوصف إن كان ذلك ممكنا للمتعظم بكماله ، فإن لم يمكن بكماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة ولا يخلو عن الشوق أحد إلا لأحد أمرين إما لضعف المعرفة واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال ، وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به ، والتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به إلا إذا كان ممنوعا بالجوع مثلا ، فإن الاستغراق بشوق القوت ربما يمنع انبعاث شوق العلم ، ولهذا ينبغي أن