نأكل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام . ورؤي بعض المشايخ من المتصوّفة المعروفين يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال : ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت ، فقيل : تدخل المسجد ؟ قال : أستحيي أن أدخل بيته للأكل فيه . ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص ، فمن لا يليق ذلك
شرح
هذا الكتاب على تضعيف هذا الحديث ولم يحكم بوضعه فقال : رواه الطبراني من حديث أبي أمامة وهو ضعيف ، ورواه ابن عدي في الكامل من حديثه وحديث أبي هريرة اه .
( وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : كنا نأكل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام ) هكذا رواه صاحب القوت ، قال العراقي : رواه الترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان اه .
أي فدل ذلك على جواز الأكل في السوق ، وهذا عندي فيه نظر إذ غايته أنه أخبر أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون ويشربون وهم قيام ولا ينكر عليهم في فعلهم ذاك منكر . أي : فليس الأكل ماشيا والشرب قائما منكرا ، بل هو معروف إذ لو كان منكرا لما سكت عليه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وليس في هذا ما يدل على جواز الأكل في السوق إلا من طريق العموم ، وإلا فليس كل مشيء مشيا إلى السوق إذ يحتمل أنه يأكل وهو يمشي في بيته إلى المسجد أو غير ذلك ، ويصدق على ما إذا كان يمشي وهو في بيته خطوات من غير أن يخرج من بابه على أنه ليس كل طريق سوقا إنما السوق موضع البيع والشراء ، والأخذ والعطاء والتجارات والأرباح ، فلا يكون ضدا لحديث أبي هريرة السابق فتأمل ذلك . وفي قوله : « ونشرب ونحن قيام » إشارة إلى جواز الشرب قياما وسبق النهي عنه : « وإن الكباد منه » وسبق كذلك الجمع بينهما فراجعه .
( ورؤي بعض المشايخ المتصوفة المعروفين يأكل في السوق ) ولفظ القوت : ورؤي بعض الصوفية يمشي في السوق وهو يأكل وكان ممن يشار إليه ( فقيل له في ذلك . فقال : ويحك أجوع في السوق فآكل في البيت ) ولفظ القوت فقلت له : يرحمك اللّه تأكل في السوق ، فقال : عافاك اللّه فإذا جعت في السوق فآكل في البيت ، ( فقيل : تدخل المسجد . فقال : أستحيي منه أن أدخل بيته للأكل ) ولفظ القوت : قلت فلو دخلت بعض المساجد قال أستحيي الخ ، ثم قال صاحب القوت : هذا لأنه رأى الأكل من أبواب الدنيا فدخل في طريقها ، كما قيل : الأسواق موائد الآباق أبقوا من الخدمة فجلسوا في الأسواق .
وقال المصنف : ( ووجه الجمع ) بين الحديثين ( أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس وهو حسن ) عنده محبوب لديه ، ففي الخبر : « أنا وأمتي برآء من التكلف » فإذا كان بهذه النية فليس بدناءة والأعمال إنما تتميز بنياتها ( و ) هو بعينه ( خرق ) حجاب ( مروءة من بعض ) الناس ( فهو مكروه ) عنده ( ويختلف ذلك بعادات البلاد ) ففي مدينة الروم العظمى