الاكرام بل يرون الكل من الواحد القهار . ولذلك قال بعضهم : أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومؤونته وحسابه .
الثالث : أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في قدر الإقامة ، وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى اخراجه . قال صلّى اللّه عليه وسلم :
« الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة » . نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله
شرح
مجدد لآحاد ( ولذلك قال بعضهم ) أي من أهل البصيرة : ( إنا لا نجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة ) وفي القوت نعيم الجنة ينقل بلا كلفة ولا مؤنة . ( أي هو طعام يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه ) أما الكد فلأنه ينقل بلا مشقة ، وأما المؤنة فهي على الداعي ، وأما الحساب فقد تقدم أن ما أكل مع الإخوان على المائدة لا يحاسب عليه ، ونظر هذا القائل نظر الاعتبار وطريق أولي الأبصار .
( الثالث : أن لا يخرج ) الضيف ( إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ) قالوا : إن الضيف في حكم المضيف ( ويراعي قلبه في قدر الإقامة ) فإن وجده طيب النفس سمحا بالزاد واسع المكان قليل الملل أطال في الإقامة ولا بأس ، ( وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام ) بلياليها ، ( فربما يتبرم به ) أي يتضجر ( ويحتاج إلى إحراجه ) أي إيقاعه في الحرج ، وفي بعض النسخ إلى اخراجه بالخاء المعجمة ، ولفظ القوت : وليس من السنة أن يقيم للضيافة فوق ثلاثة أيام حتى يحرجه ويتبرم به بأثر في ذلك اه .
( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة » ) يعني إذا نزل به ضيف فحقه أن يضيفه ثلاثة أيام بلياليها يتحفه في الأول ويقدم له في الآخرين ما حضر وجرت به عادته من غير كلفة ولا إضرار بمؤنة شرط أن يفضل عنهم وفيه عموم يشمل الغني والفقير والمسلم والكافر والبر والفاجر ، والجمع بينه وبين الخبر الذي تقدم : « لا يأكل طعامك إلا تقي » فالمراد غير الضيافة مما هو أعلى في الإكرام من مؤاكلتك معه واتحافك إياه بالظرف واللطف ، وإذا كان الكافر يرعى حق جواره فالمسلم الفاسق أولى ، وإذا لم يجد فاضلا عن مؤنة من يمونه فلا ضيافة عليه بل ليس له ذلك ، وأما خير الأنصاري المشهور الذي أثنى اللّه ورسوله عليه وعلى امرأته بإيثارهما الضيف على أنفسهما وصبيانهما حيث نومتهم أمهم بأمر حتى أكل الضيف فأجيب عما اقتضاه ظاهره من تقديمها على ما يحتاجه الصبيان بأن الضيافة مقدمة لتأكدها ، والاختلاف في وجوبها ، وبأن الصبية لم تشتد حاجتهم للأكل ، وإنما خافا إن الطعام لو قدم للضيف وهم مستيقظون لم يصبروا على عدم الأكل منه ، وإن لم يكونوا جياعا .
والحديث رواه البخاري عن أبي شريح الكعبي ، وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ : « فما كان وراء ذلك فهو صدقة » ولا يقال قضية جعله ما زاد على الثلاث صدقة إن ما قبلها واجب لأنا نقول إنما سماه صدقة للتنفير عنه . إذ كثير من الناس سيما الأغنياء يأنفون من أكل الصدقة .