تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي . وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه . ويحكى عن بعض أصحاب المروءات انه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان . وقال بعض الشيوخ : قدم إليّ بعض المشايخ لونا بالشام ، فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخرا ، فقال : وكذا عندنا بالشام ولم يكن له لون غيره فخجلت منه . وقال آخر : كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخا وقديدا فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لونا أو حملا ، فجاءنا بالطست ولم يقدم
شرح
لونان . أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ بالألطف منهما ، فلعل الكفاية تتم به فيستريح من الآخر ، وإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على رقيقه ليتسعوا في الأكل وتنفتق شهواتهم ، فيكون لكل لون لطيف مكان آخر ، وشبه بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملآنة جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز فجئت بسمسم فصببته عليه فأخذ لنفسه موضعا في خلال الجوز فوسع الجراب السمسم للطفه مع الجوز ، فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا لطيفا بعد طعام غليظ أخذته للشهوات في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله ، والعرب تعيب ذلك ولا تفعله إذ من سنتهم أن يبتدأ باللحم قبل الثريد . قال رجل منهم لبعض الأنباط : أنت من الذين يبتدؤن بالثريد قبل الشواء فذم أهل العراق بذلك . ( و ) قد ( كان من سنة المتقدمين أن يقدموا جميع الألوان دفعة ) واحدة ( ويصففون الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي ) وهذا أحسن كذا في القوت ، ( وإن لم يكن عنده إلّا لون واحد ) من الطعام ( ذكره ) لهم ( ليستوفوا منه ) غرضهم ( ولا ينتظروا أطيب منه ) . ولفظ القوت : وليكن ما يقدم لهم معلوما لهم ، ولو قال لهم : إن لم يكن عنده إلا لون واحد ليس يحضر إلا هذا ليستوفوا منه ولا يتطلعوا إلى غيره كان صوابا . ( ويحكى عن بعض أرباب المرؤات أنه كان يكتب نسخة ) أي رقعة ( بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان ) ، وبعضهم كان يدعو خبازه فيقول : أعلم الناس بما عندك من الألوان فسئل عن ذلك فقال : ليستبقي الرجل منهم نفسه لما يشتهي من الألوان ، ( وقال بعض الشيوخ : قدّم إليّ بعض المشايخ لونا بالشام ) ولفظ القوت : حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له قال : قدّم إليّ بعض أهل الشام لونا من طبيخ ( فقلت ) له : ( عندنا بالعراق إنما يقدم هذا ) اللون ( آخرا ) أي آخر الألوان ، ( فقال : وكذلك ) هو عندنا ( بالشام و ) إذا به ( لم يكن ) عنده ( له لون غيره ) قال : ( فخجلت منه ) كذا في القوت بتغيير يسير ، ثم قال صاحب القوت بالسند السابق . ( وقال ) لي ( آخر : كنا ) في ( جماعة ) عند رجل في ضيافة ( فقدّم إلينا ) ولفظ القوت : فجعل يقدم إلينا ( ألوانا من الرؤوس المشوية ) منها ( طبيخا و ) منها ( قديدا فكنا نأكل ) ولفظ القوت : فجعلنا نقصر في الأكل ( ننتظر بعدها لونا أو حملا ) ولفظ