كان عليها بقل فذلك أيضا مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة . وفي الخبر : إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول إلا الكراث . وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان ، فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة .
شرح
والبلوغ ، بل توجد فجة من أوّل نبتها إلى أن تجف فلأنها تكون في أول نبتها ألطف وأطرى ثم تصير بآخرة أصلب وأعصى ، وكذلك أصول النباتات كلها رديئة الغذاء ، وجميع النباتات الحريفة التي تؤكل فإنها ما دامت طرية في النشؤ تكون ناقصة القوى لكثرة ما فيها من الرطوبة ، فلذلك قد تصير غذاء وإذا يبست اشتدت كيفياتها وانقلبت عن أن تكون غذاء وصارت دواء لا يصلح إلا لتطييب الطعام . ومن البقول ما أصله أقوى من قضبانه كالفجل والبصل والثلجم وما أشبهها ، ومنها ما قضبانه وورقه أقوى من أصله لاستلابها الغذاء الذي اجتلبته من الأرض إلى نفسها كالخس والكرنب وما يؤكل منه أصله فبزره وقضبانه لا يكاد يؤكل وكل نبات يؤكل ثمره أو بزره لا يكاد يؤكل أصله وجميع أصناف البقول ما كان منها بريا فهو أشد يبسا ، ولذلك يكون أردأ غذاء وأشبه بالدواء ، وما كان منها بستانيا فهو أكثر رطوبة وما ينبت في المشرقة والمواضع العطشة أقوى في بابه ، ولما كانت البقول أقرب إلى الرداءة من الفواكه والثمار كثيرا فينبغي أن يتناول منها ما تدعو إليه الشهوة شيء قليل ، ويتحرى أن يكون مما يحمد منها ويناسب المزاج والحال والوقت الحاضر ، واللّه أعلم .
( ولما فيه من التزين بالخضرة ) وهو محبوب . ( وفي الخبر : « إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول إلا الكراث ) وهو أنواع ، والمراد به هنا هو النبطي ، ويعرف بكراث المائدة وهو نبت دقيق جدا يخرج من تحت الأرض ورقا ثلاثا وما تحت الأرض من أصوله أبيض مستطيل غير مستدير ، ( وكان عليها سمكة وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح ، و ) كان عليها ( سبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان ) هكذا ساقه صاحب القوت ، ( فهذا إذا جمع فحسن الموافقة ) ولفظ القوت : فهذا من أحسن الطعام إذا اتفق اه .
وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في العظمة ، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات من حديث سلمان الفارسي قال : « لما سأل الحواريون عيسى بن مريم المائدة كره ذلك جدا ومنعهم عن سؤالهم إياها ووعظهم فأبوا ، فلما رأى منهم ذلك قام فلبس الشعر الأسود ثم اغتسل ودخل مصلاه فصلى ما شاء اللّه . ثم قام مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويتا فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع بالأصابع ، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ رأسه خشوعا ، ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه ، فلما رأى ذلك دعا اللّه فأنزل عليهم سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من