الثالث : أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده . وهو خلاف السنّة فإنه حيلة في استكثار الأكل . وكان من سنة المتقدمين أن يقدموا جملة
شرح
فلك السماء تهوي إليهم ، وعيسى يبكي ويدعو ويتضرع ، فما زال كذلك حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط .
وخرّ عيسى والحواريون سجدا شكرا له ثم أقبلوا عليها ، فإذا عليها منديل مغطى فسمّى اللّه تعالى وكشف عنها المنديل ، فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها سيلا حولها بقول من كل صنف غير الكراث ، وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح ، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتونة ، وعلى الآخر تمرات ، وعلى الآخر خمس رمانات » الحديث .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في خبر المائدة قال : « فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم » .
وروى عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال « نزلت المائدة عليها من ثمر الجنة » . وروى ابن الأنباري في كتاب الاضداد ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : مائدة من السماء أي خبزا وسمكا . وروى أيضا في الكتاب المذكور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن عكرمة أن الخبز الذي أنزله اللّه مع المائدة من أرز ، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : أنزلت المائدة خوان عليه خبز وسمك ، وروى ابن جرير عن إسحاق بن عبد اللّه : أن المائدة نزلت وعليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاؤوا . وروى عبد بن حميد وابن الأنباري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : أنزل على المائدة كل شيء إلا اللحم . والمائدة : الخوان .
( والثالث : أن يقدم الألوان ألطفها حتى يستوفي منه ) أي من ذلك اللون ( من يريد ) من الحاضرين ( فلا يكثر الأكل بعده ) لما أنه حصل له الاستيفاء ، ( وعادة المترفهين تقديم الغليظ من الطعام ) على اللطيف منه ( ليستأنف ) أي يبتديء ( حركة الشهوة بمصادفة ) اللون ( اللطيف بعده وهو خلاف السنّة ، فإنه حيلة في الاستكثار للأكل ) . ولفظ القوت : وينبغي إذا حضرت الألوان أن يبتديء بتقدمة الألطف ، فالألطف والأطيب فالأطيب أوّلا . مثل أن يبتديء بالشواء قبل الثريد ، ويقدم الطباهج قبل السكباج فكذلك سنّة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه وأقل لأكلهم ، فإن احتاجوا إلى ما بعده من غليظ الطعام تناولوا منه قليلا ، وإنما قدم أهل الدنيا الألوان الغليظة على اللطيفة ليتسع أكلهم وتنفتق شهواتهم فيكون للون اللطيف موضع آخر وليكونوا قد أكلوا من اللون الآخر اللطيف الأقل ، وهذا غير مستحب عند أبناء الآخرة . وقال في موضع آخر : فإن اتفق للعبد