« فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » . فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات ، ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ - أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه وهو أحد معنيي الاكرام أعني تقديم اللحم . وقال تعالى في وصف الطيبات :
وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
[ البقرة : 57 ] المن العسل والسلوى اللحم ، سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الأدام
شرح
اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من الحيس » وفي الحديث « سيد الأدام اللحم » وقضيته بل صريحه أن سيد الأطعمة اللحم والخبز ومرق اللحم في الثريد قائم مقامه ، بل ربما يكون أولى منه كما ذكره الأطباء في ماء اللحم بالكيفية التي يذكرونها فيه . قالوا : هو يعيد الشيخ إلى صباه اه .
( فإن جمع إليه حلاوة بعد فقد جمع الطيبات ) لأن كلّا من اللحم والثريد والحلاوة طيب في نفسه مفضل على غيره كما سيأتي ، ( ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم ) المكرمين ( إذ أحضر العجل الحنيذ أي المحنوذ ) إشارة إلى أنه فعيل بمعنى مفعول ، ( وهو الذي أجيد ) أي أنعم ( نضجه ) وما لم يجد نضجه فهو مضر على المعدة ، ( وهو أحد معنيي الإكرام ، أعني تقديم اللحم ) على سائر الأطعمة . والمعنى الثاني قد تقدم ذكره وهو التعجيل في الإحضار ، ومعنى ثالث قد ذكرناه أيضا وهو خدمة الضيف بنفسه .
( وقال تعالى في وصف الطيباتوَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوىالمن ) شيء شبه ( العسل ) يسقط من السماء فيجنى وهو الترنجبين قاله السدي وحلاوة القدرة سمي منا لأنه مما من اللّه به على بني إسرائيل . ومعنى الترنجبين العسل الذي يسقط كالعرق وهي فارسية معربة أصلها ترانكبين قيل : كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس . وروى ابن جرير عن الربيع قال : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه . ( والسلوى ) فعلى من السلو : ( اللحم سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الأدام ) إذ فيه غنية عن جميعه ( ولا يقوم غيره مقامه ) هكذا ذكره صاحب القوت ، والمشهور في التفاسير أن المراد بالسلوى هنا طائر نحو الحمامة أطول ساقا وعنقا منها شبيه بلون السماء سريع الحركة بعثه اللّه على بني إسرائيل لما ملوا من أكل الخبز والمن وهم في التيه . روي ذلك عن ابن عباس ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « سيد الأدام اللحم » ) رواه أبو القاسم تمام الرازي في فوائده قال :
حدثنا أبي هو محمد بن عبد اللّه ، حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن الحسن المهرقاني بالري ، حدثنا أحمد بن خليل البغدادي ، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي ، حدثنا أبو هلال محمد بن سليم الراسبي ، عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فذكره بزيادة . وسيد الشراب الماء وسيد الرياحين الفاغية ، وقد وقع لنا هذا الحديث مسلسلا بالنحو .
ورواه الحافظ أبو بكر بن مسدي في مسلسلاته عن الأستاذ أبي جعفر الورغي ، عن أبي