تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
ولا يقوم غيره مقامه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « سيد الأدام اللحم » . ثم قال بعد ذكر المن والسلوى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[ البقرة : 172 ] فاللحم والحلاوة من الطيبات . قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه عنه : أكل الطيبات يورث الرضا عن اللّه وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل . قال المأمون : شرب الماء بثلج يخلص الشكر . وقال بعض الأدباء : إذا دعوت إخوانك
شرح
عبد اللّه الكاتب ، عن أبي القاسم الإفليلي ، عن قاسم بن أصبغ ، عن ابن قتيبة صاحب الغريب ، عن أحمد بن خليل البغدادي ، عن الأصمعي بسنده بلفظ « سيد آدام الدنيا والآخرة اللحم ، وسيد ريحان أهل الجنة الفاغية » ورواه الطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في الطب النبوي نحوه . وروى أبو نعيم في الطب أيضا من طريق عبد اللّه بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن علي بن موسى الرضى عن آبائه عن علي رضي اللّه عنه بلفظ « سيد طعام الدنيا والآخرة اللحم » والطائي متروك . وعند ابن ماجة من حديث أبي الدرداء « سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم » وسنده ضعيف . ( ثم قال تعالى بعد ذكر المن والسلوى :كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) على إرادة القول أي وقلنا لهم ذلك ، ( فاللحم والحلاوة من الطيبات ) أي من طيبات الرزق . ( قال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى : أكل الطيبات يورث الرضا عن اللّه تعالى ) نقله صاحب القوت ، وهذا لمن يملك نفسه قبل أن تملكه فلا يخشى انقلاب الطيبات شهوات فمثله إذا أكل منها أعطاها مقامها من الشكر والرضا ، ( وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد ) في أثناء الطعام ، ( وصب الماء الفاتر على اليد ) بعد الفراغ من الطعام ( عند الغسل ) أي غسل اليد فإنه من جملة النعيم ولا سيما في أوقات البرد . ( قال المأمون ) عبد اللّه بن هارون العباسي الخليفة وكان من حكماء الخلفاء : ( شرب الماء بثلج ) أي ممزوجا به ( يخلص الشكر للّه ) عز وجل نقله صاحب القوت ، وقد ورد في الخبر « كان أحب الشراب اليه صلّى اللّه عليه وسلم الحلو البارد » وهذا لا ينافي كمال زهده صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن ذلك فيه مزيد الشهود لعظائم نعم الحق واخلاص الشكر له عز وجل من غير أن يكون فيه اشعار بتكلف ولا خيلاء البتة بخلاف المأكل ، وإلى هذا أشار المأمون بقوله السابق ، فلذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يشرب نفيس الشراب غالبا ولا يأكل نفيس الطعام غالبا . وروى أبو داود « أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يستعذب له من بيوت السقيا » . قال ابن بطال : واستعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه المذموم ، وقد شرب الصالحون الماء الحلو وطلبوه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يشرب العسل الممزوج بماء بارد . قال ابن القيم : وفيه من حفظ الصحة ما لا يهتدي لمعرفته إلا أفاضل الأطباء ، فالماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن ، والعسل على الريق يزيل البلغم ويدفع عن المعدة الفضلات ويفتح سددها . وكان
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 655 | مرتضى الزبيدي