تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣
نعم ، فوعدهم وقتا معلوما فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم . وأما قول القائل : إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي فقد قال بعضهم هذا خلاف السنة وليس كذلك ، فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد بها منة وكان يرى ذلك يدا له على المدعو ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة ، فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنّة اجابته ، بل الأولى التعلل ، ولذلك قال بعض الصوفية : لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك
شرح
( معلوما فحضروا ) فرحّب بهم ورفع مجلسهم ( فقدم إليهم ) ولفظ القوت ثم قال : يا وذات هاتي ما كنت تدخرين فأخرجت الجارية ( فاخر ) ما عندها من ( الطعام وجلس يأكل معهم ) رضي اللّه عنه وأرضاه عنا . ( وأما قول القائل : إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي فقد قال بعضهم : هذا خلاف السنّة ) وهو صاحب القوت كما تقدم النقل عنه آنفا ، ( وليس كذلك ) أي ليس هذا القول على عمومه مخالفا للسنّة ( فإنه دل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد به منّة وكان ذلك يدا له على المدعو ) ، ففي هذه الصور الثلاث يتحقق الذل ويسلم لقائله ما أراده ، ( ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يحضر ) الدعوة ( لعلمه أن الداعي له يتقلد منّة ويرى ذلك شرفا ) يتشرف به ، ( وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة ) فهو يفرح به ويرى أن الفضل له على كل حال ، ( فهذا ) إذا ( يختلف باختلاف الحال ، فمن ظن أنه يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة ) ومفاخرة بين الأقران ( أو تكلفا ) بمشقة ( فليس من السنّة اجابته ) . رواه أبو داود من حديث ابن عباس « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين » قال أبو داود : أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس ، وروى العقيلي في الضعفاء « نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن طعام المتباهيين » والمتباريان المتعارضان بفعلهما للمباهاة والرياء قاله أبو موسى المديني . قاله العراقي . قلت : ورواه الحاكم أيضا بزيادة « أن يؤكل » وقال : صحيح . وأقره الذهبي في التلخيص ، لكن في الميزان صوابه مرسل وهو معنى قول أبي داود السابق ، أو معنى التباري أن يفعل كل منهما فوق فعل صاحبه ليكون طعامه أكثر وآنق ، فيدخل فيه معنى المصنف أو تكلفا إذا قصد أحدهما تعجيز الآخر ففيه مشقة كما أنه رياء ، ( بل الأولى ) في هذه الصورة ( التعلل ) عن الإجابة ، ( ولذلك قال بعض الصوفية ) رحمه اللّه تعالى ( لا تجب إلا دعوة من يرى ) لك انك ( أكلت رزقك وأنه سلم ) إياه ( إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه ) نقله صاحب القوت وقال : فهذه شهادة العارف من الداعين ، كذلك شهادة المدعوّين من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 633 | مرتضى الزبيدي