ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلّل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيرا فقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي اللّه عنهم ، فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعا للخجلة عنهم .
السابع : أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه ، وإذا أخرج شيئا من فيه صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره ، ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ولا الخل في الدسومة فقد يكرهه غيره ، واللقمة التي قطعها بسنه لا يغمس بقيتها في المرقة والخل ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات .
شرح
الأكل ، فإن المراقبة تورث الانقباض ، ( ولا يمسك ) يده عن الطعام ( قبل إخوانه إذا كانوا يتحشمون الأكل بعده ) أو يحتاجون إلى بسط ( بل يمد اليد ) إلى الطعام ( ويقبضها ) ويريهم أنه يأكل ، ( ويتناول قليلا ) منه ( إلى أن يستوفوا ) غرضهم منه ، ( فإن كان قليل الأكل ) أي من عادته ذلك ( توقف في الابتداء وقلّل الأكل ) وتربص ( حتى إذا توسعوا في الطعام ) بأن أكلوا صدرا منه ( أكل معهم آخرا ) ليستوي أكله مع أكلهم ، فإن كانوا علماء لم يكرهوا ذلك منه ، ( فقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي اللّه عنهم ) كذا في القوت قال :
وقد كان بعض الرؤساء من الأجواد إذا دعا الناس إلى طعامه يدعو الخباز فيقول : أعلم الناس بما عندك من الألوان . قال : فسألت بعض جلسائه لم يفعل هذا ؟ فقال : لينتقي الرجل منهم نفسه لما يشتهي من الألوان . قال : ثم يدعهم يأكلون حتى إذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام فأكل وقال لهم : بسم اللّه ساعدوني بارك اللّه فيكم فكان السلف يستحسنون ذلك منه ، ( فإن امتنع ) عن الأكل ( لسبب ) بأن كان سبق له الأكل فلم يحب إدخال طعام على طعام أو غير ذلك ، ( فليعتذر إليهم ) ويخبرهم عن السبب والعلة ( دفعا للخجلة عنهم ) ليبسطوا في الأكل .
وروى صاحب العوارف عن ابن عمر رفعه : « إذا وضعت المائدة فلا يقومن رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يرفع القوم وليقلل فإن الرجل يخجل جليسه فيقبض يده ، وعسى أن يكون له في الطعام حاجة » .
( السابع : أن لا يفعل ما يستقذر غيره ) وقد بينه بقوله : ( فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه ) فربما يتساقط من فيه شيء فيها ، ( وإذا أخرج شيئا من فيه ) نحو لقمة أو عظمة ( صرف وجهه عن الطعام وأخذ بيساره ) ورماه بعيدا أو تحت الخوان ، فكل ما ذكر مما يستقذره صاحبه ، ( و ) من ذلك أيضا أن ( لا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ولا الخل في الدسومة ) وهذا وإن لم يكن مستقذرا في الحقيقة ( فقد يكرهه غيره ) فليجتنب من ذلك . ( واللقمة التي قطعها بسنه لا يغمس بقيتها في المرقة والخل ) فإنه كذلك مما يكرهه غيره ، ( ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات ) الشرعية والعرفية والطبيعية لئلا يورث التنافر للسامعين .