تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني رضي اللّه عنهما على طعام ، فقدّم أنس الطست إليه فامتنع ثابت فقال أنس : إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها ، فإنما يكرم اللّه عز وجل . وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصبّ الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال : يا أبا معاوية تدري من صب على يدك ؟ فقال : لا . قال : صبه أمير المؤمنين ، فقال : يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلّك اللّه وأكرمك كما أجللت العلم وأهله . ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الانتظار . فإن لم يفعلوا فلا ينبغي أن يصب ماء كل
شرح
اللّه عنه ( وثابت ) أبو محمد ( البناني ) التابعي رحمه اللّه تعالى ( على طعام فقدم أنس الطست إليه فامتنع ثابت ) من تقدمه في غسل اليد وكأنه استحيا حضور شيخه أنس ، ( فقال أنس : إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما تكرم اللّه عز وجل ) نقله صاحب القوت ولفظ : فإنه إنما يكرم اللّه عز وجل . قلت : ومعنى ذلك رواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر : « من أكرم أمرأ مسلما فإنما يكرم اللّه تعالى » وسنده ضعيف ، وفي بعض ألفاظه : « قد أكرم أخاه المؤمن » . ( وروي أن هارون الرشيد ) العباسي ( دعا أبا معاوية الضرير ) هو محمد بن حازم التميمي السعدي مولاهم . يقال : عمي وهو ابن أربع سنين . قال العجلي : كوفي ثقة ، وقال يعقوب ابن شيبة : كان من الثقات وربما دلس ، وقال النسائي ثقة ، وقال ابن خراش : صدوق . وذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان حافظا متقنا ولكنه كان مرجئا . ولد سنة ثلاث عشرة ومائة ومات سنة أربع وتسعين ومائة روى له الجماعة . ( فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال ) ولفظ القوت : قيل له ( يا أبا معاوية تدري من صب على يدك ؟ فقال : لا . قال : صبه أمير المؤمنين ، فقال ) يا أمير المؤمنين : ( إنما أكرمت العلم وأجللته ) أي عظمته ، ( فأجلك اللّه وأكرمك كما أجللت وأكرمت العلم وأهله ) هكذا نقله صاحب القوت ونقله كذلك صاحب العوارف إلا أنه قال : دعا أبا معاوية وأمر أن يقدم له طعام ، فلما أكل صب الرشيد الماء على يده في الطست والباقي سواء . ولم تزل سنة الملوك الماضين في إجلالهم . وحكى لي من أثق به من المغاربة أن مولاي إسماعيل بن مولاي الشريف جد ملوك المغرب الآن دعا علماء عصره وفيهم أبو الوفاء اليوسي وقدم إليهم الطعام ، فلما فرغوا صب على أيديهم الماء فامتنع أبو الوفاء فغضب في امتناعه لذلك . ( ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة ، فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الانتظار ) هذا إذا كان الطست واسعا والأباريق متعددة ، وإلا فليقدم الكبير وذو السن والفضل والشرف ، ( فإن لم يفعلوا فلا ينبغي أن يصب ماء كل