تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
وكان صلّى اللّه عليه وسلم يكرر الكلام ثلاثا . فليس من الأدب الزيادة عليه ، فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع . قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : الطعام أهون من أن يحلف عليه . الرابع : أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له : « كل » . قال بعض الأدباء : أحسن الآكلين أكلا من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤونة القول ، ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه ، فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ، ولكن يعودّ نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع . نعم لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به بل هو حسن . وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه
شرح
قلت ورواه الترمذي والحاكم بزيادة : « لتعقل عنه » أي الكلمة التي يتكلم بها كان يعيدها ثلاث مرات ليتدبرها السامعون ويرسخ معناها في القوة العاقلة . ( فليس من الأدب الزيادة عليه ) أي على الثلاث ، ( فأما الحلف عليه بالأكل ) كما هو عليه عامة الناس اليوم ( فممنوع قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : الطعام أهون من أن يحلف عليه ) ، وقال مرة : أيسر من أن يدعى إلى ذلك يعظم حق المؤمن ، وقد كان سعيد بن أبي عروبة بهذه المنزلة لم يكن يعرض على إخوانه الطعام ، ولكنه كان يظهره ويعرضه فكان اللحم مسلوخا معلقا والخبز موجودا ظاهرا ، وكان ذلك مشاعا في منزله لمن أراد تناوله . وكان الثوري يقول : إذا زارك أخوك فلا تقل له أقدم إليك ولكن قدم إليه ما عندك فإن أكل وإلا فارفعه . ( الرابع : أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له « كل » ) فإن ذلك يحشمه فربما يقطعه . ( قال بعض الأدباء أحسن الآكلين أكلا من لم يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول ) كذا في القوت ، ( ولا ينبغي أن يدع ) أي يترك ( شيئا مما يشتهيه ) من المأكول ( لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع ) وهو منهى عنه ، فإنه يفضي إلى التصنع في العمل ، ( بل يجري على المعتاد ) من أحواله ، ( ولا ينقص من عادته ) في أكله المعتاد ( في الوحدة ) أي حالة أكله وحده منفردا عن إخوانه ، ( ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى ) يتمرن عليه ، وعند ذلك ( لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع ) وهذا أدب الصوفية . ( نعم . لو قلل من أكله إيثارا ) على نفسه ( لإخوانه و ) قدمه إليهم ( نظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن ) عندهم ، ( وإن زاد في الأكل على نية المساعدة ) للجماعة ( وتحريك نشاط القوم في الأكل ) أو بنية فضل الأكل مع الإخوان ( فلا بأس به بل هو حسن ) نقله صاحب القوت بمعناه . ( وكان ) عبد اللّه ( بن المبارك ) رحمه اللّه ( يقدم فاخر
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 605 | مرتضى الزبيدي