الثالث : أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله ، فإن ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا ، بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم ، فإن قلّل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له : « كل » ولا يزيد في قوله : « كل » على ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وافراط . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث ؛
شرح
( الثالث : يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله ، فإن ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا ) فإن لكل منهما حقا لا يتعداه ، ( بل ينبغي أن يقصد الإيثار ) أي يؤثر رفيقه على نفسه ، ( ولا يأكل تمرتين في دفعة ) واحدة وهو القران المنهي عنه ، لأن فيه إحجافا برفيقه مع ما فيه من الشره المزري ، ( إلا إذا فعلوا ذلك ) فيوافقهم وحينئذ فلا إحجاف ، ( أو استأذنهم ) فأذنوا له فيجوز وتقوم مقام صريح الإذن قرينة تغلب على الظن رضاهم ، ولا يكفي إذن واحد من الشركاء ، بل يشترط إذن الكل . قال الحافظ ابن حجر : وهذا يقوي مذهب من يصحح هبة المجهول روى أحمد والستة من حديث ابن عمر : « نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه » هكذا هو لفظ الحديث . قال عياض : والصواب القران بلا ألف . وقال الحافظ : وهي اللغة الفصحى ، وهكذا جاء عند الطيالسي وأحمد ، والنهي للتنزيه إن كان الآكل مالكا مطلق التصرف ، وإلا فللتحريم . وقال ابن بطال : هو للندب مطلقا عند الجمهور لأن الذي يوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التشاح لاختلاف الناس في الأكل ، والأرجح الأول ، ومثل التمرتين اللقمتان كما صرح به ابن العربي ( وإن قلل رفيقه ) من الأكل إنقباضا وحياء ( بسطه ورغبه في الأكل وقال له : « كل » ) هكذا هو بضم الكاف أمر من أكل يأكل أصله أأكل ، وسمعت بعض الأعراب بمصر يقول لرفيقه : إذا تأخر عن الأكل « كل » بكسر الكاف ، ويظنه كل من سمعه لحنا ، وعندي أنه مختصر من واكل من المواكلة واللّه أعلم .
( ولا يزيد في قوله « كل » على ثلاث مرات ) لا متواليا بل يجعل بين كل كلمة وكلمة مسافة بحسب الوقت والحال ، ( فإن ذلك ) أي الزيادة على الثلاث ( إلحاح وإفراط ) وقد نهي عن كل منهما . ولفظ القوت : وإذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو مرتين فلا تلحن عليه ، وكذلك إذا دعوته فكره فقد قالوا : لا تلزم أخاك ما يشق عليه ولا تزيدن على ثلاث مرات فإن الإلحاح ما زاد على ثلاث وليس ذلك من السنة والأدب إلا فيما لا بد منه مما للجمع فيه أدب . قالوا :
( كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث ) قال العراقي : رواه أحمد من حديث جابر في حديث طويل له ، ومن حديث ابن أبي حدرد أيضا وإسنادهما حسن ، ( وكان صلّى اللّه عليه وسلم يكرر الكلام ثلاثا ) ويعيد القول ثلاثا كذا في القوت . قال العراقي : رواه البخاري من حديث أنس : « كان يعيد الكلمة ثلاثا » اه .