ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم بعد الشرب :
« الحمد للّه الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا » . والكوز وكل
شرح
بل للندب ، وقول من قال ليس الشرب من ماء زمزم قائما اتباعا له صلّى اللّه عليه وسلم إنما يسلم له لو لم يصح النهي عن الشرب قائما ، وأما بعد صحته قائما فيكون الفعل مبينا للجواز لا يقال النهي مطلقا ، وشربه من ماء زمزم مقيد فلم يتواردا على محل واحد لأنا نقول ليس النهي مطلقا بل هو عام ، فالشرب من زمزم قائما من افراده فدخل تحت النهي فوجب حمله على أنه لبيان الجواز . ولو سلمنا أنه مطلق لكان محمولا على المقيد فلم يفد المقيد غير الجواز أيضا . لا يقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم نزه عن فعل المكروه كالمحرم ، فكيف يشرب قائما لأنا نقول شربه قائما لبيان الجواز وهذا واجب عليه فلم يفعل مكروها بل واجبا . وهكذا يقال في كل فعل فعله صلّى اللّه عليه وسلم لبيان الجواز مع نهيه عنه أو عما يشمله ، واعلم أن كلا من حديث نهيه وفعله صلّى اللّه عليه وسلم المذكورين صحيح وأن الجمع بينهما ما قررناه ، وحيث أمكن الجمع بين حديثين وجب المصير إليه ، ودعوى النسخ ليست في محلها . وتضعيف خبر النهي غير مسموع مع إخراج مسلم له والاستدلال لعدم الكراهة بفعل الخلفاء الأربعة غير جار على قواعد الأصوليين ، مع أنه لا يقاوم ما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلم سيما في الشرب قائما ضرر ، ومن ثم ندب الاستقاء منه حتى للناسي لأنه محرك خلطا يكون القيء دواءه .
قال ابن القيم : وللشرب قائما آفات . منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستمر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة ، فيخشى منه أن يبرد حرارتها ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج ، وكل هذا يضر بالشارب قائما . وعند أحمد عن أبي هريرة أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال : قه . فقال : لم ؟ فقال : أيسرك أن يشرب معك الهر ؟ قال : لا . قال : شرب معك من هذا أشد منه الشيطان . وروى الترمذي في الشمائل من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلّى اللّه عليه وسلم شرب قائما وقاعدا . قال الشارح : أي مرة قائما لبيان الجواز ، ومرارا كثيرة بل هي الأكثر المعروف المستقر من أحواله صلّى اللّه عليه وسلم قاعدا اه .
( ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه ) أي على ثيابه أو شيء بين يديه فيفسده فإن شرب من قدح فلا يراعي ذلك ، ( وينظر في الكوز قبل الشرب ) لئلا يكون به شيء مما يؤذي من قذى وغيره ( ولا يتجشأ في الكوز ) أي لا يخرج الجشاء عند شربه في الكوز وهو صوت مع ريح يخرج من الفم عند حصول الشبع ، فقد ورد النهي عن ذلك لأنه يغير الماء ويقذره فتعافه النفوس ، ( بل ينحيه ) أي يبعده ( عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية ) أي يشرب ثم يزيله عن فمه ثم يشرب ثم يفعل كذلك ، ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم بعد الشرب ) أي بعد انفصاله عنه مرة واحدة ( « الحمد للّه الذي جعله ) أي الماء وفي رواية « جعل الماء » ( عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا » ) رواه الطبراني في الدعاء مرسلا من رواية أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ،