الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غصّ بلقمة أو صدق عطشه فقد قيل : إن ذلك مستحب في الطب وأنه دباغ المعدة .
وأما الشرب : فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول : « بسم اللّه » ويشربه مصا لا عبّا .
قال صلّى اللّه عليه وسلم : « مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإن الكباد من العب » . ولا يشرب قائما ولا
شرح
طبا لأنه يمنع الطعام عن تهيئه للهضم ( إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه ) وفي حالة الغص يشرب وجوبا لإساغة اللقمة ، وأما في حالة صدق العطش فهو مخير إن شاء شرب وإن شاء دفعه عن نفسه ، ( فقد قيل : إن ذلك ) أي الشرب عند صدق العطش ( مستحب في الطب و ) ذلك لأنهم ذكروا ( أنه دباغ المعدة ) . وقال بعضهم : شرب الماء البارد على الطعام خير من زيادة ألوان نقله صاحب القوت . وقال أيضا : الشرب في تضاعيف الأكل مستحب من جهة الطب .
( وأما الشرب ؛ فأدبه أن يأخذ الكوز ) أو القدح ( بيمينه ) أي بيده اليمنى لشرفها ( ويقول « بسم اللّه » ويشربه مصا ) أي على مهلة شربا رفيقا ( لاعبا ) أي تتابعا من غير تنفس . ( قال صلّى اللّه عليه وسلم « مصوا الماء مصا ) أي أشربوا شربا رفيقا ( ولا تعبوه عبّا » ) أي لا تشربوه بكثرة من غير تنفس . هكذا رواه البيهقي من حديث أنس بسند بيّن .
وقال العراقي : رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بالشطر الأوّل ، ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رياح « إذا شربتم فاشربوا مصا » اه .
قلت : وفي بعض روايات حديث أنس وعلي زيادة ( « فإن الكباد من العب » ) الكباد كغراب وجع الكبد . قال ابن القيم : وقد علم بالتجربة أن هجوم الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها بخلاف وروده على التدريج . ألا ترى أن صب الماء البارد على القدر وهي تفور يضر ، وبالتدريج لا ومن آفات النهل دفعة ان في أوّل الشرب يتصاعد البخار الدخاني الذي يغشي الكبد والقلب لورود البارد عليه ، فإذا شرب دفعة اتفق عند نزول الماء صعود البخار فيتصادمان ويتدافعان فتحدث من ذلك أمراض رديئة . ولفظ مسند الفردوس من حديث علي « إذا شربتم الماء فاشربوه مصا ولا تشربوه عبا » فإن العب يورث الكباد . وروى سعيد بن منصور في السنن وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي ، والبيهقي من حديث عبد اللّه بن عبد الرحمن بن الحرث النوفلي مرسلا « إذا شرب أحدكم فليمص مصا ولا يعب عبا فإن الكباد من العب » .
وهذه الشواهد يعضد بعضها بعضا ، ومن ثم حكم بعضهم على حديث علي بالحسن ، فقول ابن العربي في العارضة حديث الكباد من العب باطل فيه نظر ، وأما حديث أبي داود في المراسيل الذي ذكره العراقي ففيه زيادة وهي « وإذا استكتم فاستاكوا عرضا » قال ابن القطان : وفيه محمد بن خالد القرشي لا يعرف ، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر بأن محمدا هذا وثقة ابن معين وابن حبان ، والحديث ورد من طرق عند البغوي والعقيلي وابن منده وابن عدي والطبراني وغيرهم بأسانيد وإن