الرابع : أن يحسن الجلسة على السفرة في أوّل جلوسه ويستديمها . كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه ، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول : « لا آكل متكئا إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد » . والشرب متكئا مكروه للمعدة أيضا ويكره الأكل نائما
شرح
المتأمل ( التفرقة بين هذه المبدعات ) الأربعة ، ( فإنها ليست على وتيرة واحدة ) وإنما تختلف أحكامها باختلاف الأسباب والعلل .
( الرابع : أن يحسن الجلسة ) بكسر الجيم اسم لهيئة الجلوس ( على السفرة في أوّل جلوسه ) عليها ( ويستديمها ) إلى أن يفرغ ، ( كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه ، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول : « لا آكل متكئا إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد » ) .
قال العراقي : رواه أبو داود من حديث عبد اللّه بن بسر في أثناء حديث أتوا بتلك القصعة فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول اللّه الحديث . وله وللنسائي من حديث أنس رأيته يأكل وهو مقع من الجوع .
وروى أبو الحسن بن المقري في الشمائل من حديثه كان إذا جلس على الطعام استوفز على ركبته اليسرى وأقام اليمنى ثم قال : « إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وافعل كما يفعل العبد » واسناده ضعيف اه .
قلت : ورد بسند حسن « أهديت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم شاة فجثا على ركبته يأكل ، فقال له اعرابي : ما هذه الجلسة ؟ فقال : إن اللّه جعلني كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا وإنما فعل صلّى اللّه عليه وسلم ذلك تواضعا للّه تعالى ، ومن ثم قال : إنما أنا عبد اجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد » .
وفي خبر مرسل أو معضل عن الزهري « أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ملك لم يأته قبلها فقال : إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو نبيا ملكا فنظر إلى جبريل كالمستشير له فأومأ إليه ان تواضع فقال : لا بل عبدا نبيا . قال : فما أكل متكئا قط » . لكنه أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه أكل متكئا مرة ، فإن صح فهو زيادة مقبولة . ويؤيدها ما أخرجه ابن شاهين عن عطاء بن يسار أن جبريل رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يأكل متكئا فنهاه . وفسر الأكثرون الاتكاء بالميل على أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة وتضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء . ونقل في الشفاء عن المحققين أنهم فسروه بالتمكن للأكل والقعود في الجلوس كالمتربع المعتمد على وطاء تحته ، لأنّ هذه الهيئة تستدعي كثرة الأكل والكبر ، وورد بسند ضعيف زجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل . قال مالك رحمه اللّه : هو نوع من الإتكاء . قال بعض المتأخرين : هنا في هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الأكل فيه متكئا ولا يختص بصفة بعينها ، واختلفوا في حكم الاتكاء في الأكل فقال ابن القاص :