تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة ، ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة . الثالث : أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من رفعه على المائدة . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أتي بطعام وضعه على
شرح
قلت : ويؤيده ما مرّ من قصة سلمان قريبا ثم أن المراد بالوضوء في هذه الأحاديث الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين إلى الرسغين وهذا لا يناقضه ما رواه الترمذي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قرب إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء ؟ قال « إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة » لأن المراد بذلك الوضوء الشرعي ، وهنا الوضوء اللغوي وفيه رد على من زعم كراهة غسل اليد قبل الطعام وبعده وما تمسك به أنه من فعل الأعاجم لا يصلح حجة ولا يدل على اعتباره دليل ، ( ولأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة ) وذلك قبل الطعام متوهم وبعده متحقق ، ( ولأن الأكل ) أي للطعام الذي يأكله إنما هو ( لقصد الاستعانة على الدين ) والتقوي على الطاعات وهو ( عبادة ) لأن ما يستعان به علي العبادات عبادة كما تقدم ، ( فهو جدير ) بهذا الاعتبار ( بأن يقدم عليه ما يجري مجرى الطهارة من الصلاة ) . وقال صاحب العوارف : وإنما كان الوضوء قبل الطعام موجبا لنفي الفقر لأن غسل اليد قبل الطعام استقبال للنعمة بالأدب ، وذلك من شكر النعمة والشكر يستوجب المزيد ، فصار غسل اليد مستجلبا للنعمة مذهبا للفقر ، فقد روى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع » . قلت : هذا الحديث رواه ابن ماجة من طريق جنادة بن المفلس عن كثير بن سليم عن أنس وجنادة وكثير ضعيفان . قال المنذري في الترغيب : المراد بالوضوء هنا غسل اليدين . ( الثالث : أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من رفعه على المائدة ) . اعلم أن السفرة في الأصل اسم لطعام يصنع للمسافر والجمع سفر كغرفة وغرف ، وسميت الجلدة التي يوعّى فيها الطعام سفرة مجازا . كذا في المصباح . والمائدة من مادة ميدا أعطاه فهي فاعلة بمعنى مفعولة لأن المالك مادها للناس أي أعطاهم إياها ، وقيل : مشتقة من ماد يميد إذا تحرك فهي اسم فاعل على الباب . كذا في المصباح . ( كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أتي بطعام وضعه على الأرض ) . قال العراقي : رواه أحمد في كتاب الزهد من رواية الحسن مرسلا ، ورواه البزار من حديث أبي هريرة نحوه وفيه مجاعة وثقة أحمد وضعفه الدارقطني اه . قلت : وروى الطبراني من حديث ابن عباس كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الثاني من كتاب الدعوات ( فهو أقرب إلى التواضع ) أي وضع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577 | مرتضى الزبيدي