الخامس : أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة اللّه تعالى ليكون مطيعا بالأكل ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل . قال إبراهيم بن شيبان : منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئا لشهوتي ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل . فإنه إذا أكل لأجل قوّة العبادة لم تصدق نيته إلا بأكل ما دون الشبع فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوى عليها فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة وإيثاره القناعة على الاتساع . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه .
حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس »
شرح
( الخامس : أن ينوي بأكله أن يتقوى به ) على البر والتقوى و ( على طاعة اللّه تعالى ) والاستعانة بخدمته ليكون مطيعا بالأكل ، ( ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل ) كما يقصده المترفهون . ( قال إبراهيم بن شيبان : منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئا لشهوتي ) وفي نسخة بشهوتي ، ( ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة ) أي لأجل أن يتقوى على العبادة ( لم تصدق نيته إلا بأكل ما دون الشبع ) بحيث تبقى هناك الشهوة الداعية للأكل ، ( فإن الشبع ) المفرط ( يمنع من العبادة ) أي من القيام بحقوقها ( ولا يقوى عليها ) لارتخاء العروق عند امتلاء المعدة . ( فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة وإيثار القناعة ) على الحرص والتقلل ( على الاتساع ) والأدب فيه على الشره .
( قال صلّى اللّه عليه وسلم « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) لما فاته من خيور كثيرة جعل البطن كالأوعية التي تتخذ ظروفا توهينا لشأنه ، ثم جعله شر الأوعية لأنها تستعمل في غير ما هي له ، والبطن خلق لأنه يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضي إلى فساد الدين والدنيا فيكون شرا منها ، ووجه تحقق ثبوت الوصف في المفضل عليه أن ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو حرص في الدنيا ، وكلاهما شر على الفاعل . والشبع يوقع في مداحض فيزيغ عن الحق ويغلب عليه الكسل فيمنعه من التعبد وتكثر فيه مواد الفضول فيكثر غضبه وشهوته ويزيد حرصه فيوقعه في طلب ما زاد على الحاجة . ( حسب ابن آدم ) أي يكفيه وفي رواية : بحسب ابن آدم ( لقيمات ) جمع لقيمة تصغير لقمة ، وهذه الصيغة لجمع القلة لما دون العشرة . وفي رواية « أكلات » محركة جمع أكلة بالضم وهي بمعناها أي يكفيه هذا القدر في سدّ الرمق وامساك القوة ، ولذا قال : ( يقمن صلبه ) أي ظهره تسمية للكل باسم جزئه ( فإن لم يفعل ) وفي رواية : فإن كان لا محالة أي من التجاوز عما ذكر فلتكن أثلاثا ( فثلث طعام ) أي مأكول ، وفي رواية : لطعامه ( وثلث شراب ) أي مشروب ، وفي رواية لشرابه ، ( وثلث ) يدعه ( للنفس » ) بالتحريك يعني يبقى من ملئه قدر الثلث ليتمكن من النفس ، وهذا غاية ما اختير للأكل وهو أنفع ما للبدن والقلب ، وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان ، وأيضا لما كان في الإنسان ثلاثة أجزاء أرضي ومائي وهوائي قسم طعامه وشرابه ونفسه إلى الاجزاء الثلاثة ، وترك الناري لقول جمع من الأطباء ليس في البدن جزء ناري ذكره ابن القيم .