تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
كراهة أو تحريم إذ لم يثبت فيه نهي . وما يقال أنه أبدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا ، بل المنهي بدعة تضاد سنّة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته ، بل الابداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ليست متساوية بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة ، فإن الغسل مستحب للنظافة والأشنان أتم في التنظيف وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر ، أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة ، فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا ، وكان مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبا ، وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط . وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم . وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات .
شرح
التحريم كما حققه ابن القيم في اعلام الموقعين ، واستدل بأقوال الأئمة من المذاهب الأربعة ( إذ لم يثبت فيه نهي ) صريح ، ( وما يقال أنه أبدع ) أي أحدث ( بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا ) مطلقا ، ( بل المنهي بدعة تضاد سنّة ثابتة وتدفع امرا من الشرع مع بقاء علته ) وأما ما شهد لجنسه أصل في الشرع إن اقتضته مصلحة تندفع به مفسدة فإنه يسمى بدعة إلا انها مباحة ( بل الابداع قد يجب في بعض الأحوال ) لاقتضاء مصلحة ( إذا تغيرت الأسباب ) والعلل ( و ) لا يخفى أنه ( ليس في ) استعمال ( المائدة إلا رفع الطعام على الأرض لتيسير الأكل ) وتسهيله عند تناوله ، ( وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه ، والأربع التي جمعت في أنها بدعة ليست متساوية ) في الحكم ، ( بل الأشنان أتم في التنظيف ) وإزالة الدسومات ، ( وكانوا ) فيما سلف ( لا يستعملونه ) في غسل أيديهم ( لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم ) أي لم تكن عادة لهم بذلك ( أو لا يتيسر ) تحصيله ( وكانوا مشغولين بأمور ) دينية هي ( أهم من المبالغة في النظافة ) والتشدد فيها ، ( فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا ) كما عرف من سيرتهم ، ( وكان منادلهم أخمص في النظافة ) أو يتمسحون بالحصى كما ذكر عن أصحاب الصفة وتقدم جميع ذلك في كتاب سر الطهارة ( وذلك لا يمنع كون الغسل ) بالماء ( مستحبا ) وهذا ظاهر ( وأما المنخل فالمقصود منه ) نخل الدقيق واخذ الخلاصة منه وفيه ( تطييب الطعام وذلك مباح ) شرعا ( ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم ) فحينئذ ينهى عنه ، ( وأما الشبع فهو أشد هذه الأربع ) في الانتهاء عنه ، ( فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات ) الباطنة ( وتحريك الأدواء في البدن ) من سوء طبيعة وفساد مزاج وثقل وهيضة ودوّار وغير ذلك . ( فليدرك )