تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
القسم الأوّل : في الآداب التي تتقدم على الأكل وهي سبعة : الأوّل : أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا للسنّة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين - على ما سيأتي في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام - وقد أمر اللّه تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة
شرح
ورطوبته من الماء وحرارته من قبيل النفس وبرودته من قبيل الروح ، وخلقت في الجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع من الخلق هي ملاك الجسم بإذني وبهن قوامه فلا يقوم الجسم إلا بهن ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى منهن : المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والبلغم ، والدم . ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء ، ومسكن الحرارة في الدم ، ومسكن البرودة في البلغم ، فأيما جسد اعتدلت طبيعته اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه ، فكانت كل واحدة منهن ربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدلت بنيته ، فإن زادت منهن واحدة عليهن هزمتهن ومالت بهن ودخل عليه السقم من ناحيتها بقدر غلبتها حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقدارهن . رواه صاحب الحلية من طريق عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب . وكما أن للمعدة طبائع تتدبر بموافقة طباع الطعام ، فللقلب أيضا مزاج وطباع لأرباب التفقد والرعاية واليقظة يعرف انحراف القلب من اللقمة المتناولة . تارة يحدث في القلب من اللقمة حرارة الطيش بالنهوض إلى الفضول ، وتارة تحدث في القلب برودة الكسل بالتقاعد عن وظيفة الوقت ، وتارة تحدث رطوبة السهو والغفلة ، وتارة يبوسة الهم والحزن بسبب الحظوظ العاجلة . فهذه كلها عوارض يتفطن لها المتيقظ ويرى بعين البصيرة تغير القلب بهذه العوارض تغير مزاج القلب عن الاعتدال والاعتدال هو مهم طلبه للقالب ، فللقلب أهم وأولى وتصرف الانحراف إلى القلب أسرع منه إلى القلب ، ومن الانحراف ما يسقم به القلب فيموت كموت القالب واسم اللّه تعالى دواء نافع مجرب يقي الأسواء ويذهب الداء ويجلب الشفاء ، واللّه أعلم .

القسم الأول : في الآداب التي تتقدم على الأكل وهي سبعة :

( الأول : أن يكون الطعام ) الذي يأكله ( بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا للسنة والورع ) بأن تكون عينه معروفة لم تختلط بعين أخرى من ظلم وخيانة وأشار إلى موافقته لحكم السنة بقوله : ( لم يكتسب بسبب مكروه ) في الشرع ( و ) أن يكون سببه مباحا ( لا ) بسبب محظور في الشرع ( بحكم هوى ومداهنة في دين ) ودنيا ( على ما سيأتي ) بيان ذلك ( في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام ) إن شاء اللّه تعالى ، ( وقد أمر اللّه تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم ) الأمر بالأكل على الأمر بالشكر فقال تعالىيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ[ البقرة : 172 ] وقدم ( النهي عن الأكل