تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
الباب الأوّل فيما لا بد للمنفرد منه : وهو ثلاثة أقسام : قسم قبل الأكل ، وقسم مع الأكل ، وقسم بعد الفراغ منه .
شرح

الباب الأول فيما لا بد للمنفرد منه

( وهي ثلاثة أقسام : قسم قبل الأكل ، وقسم مع الأكل ، وقسم بعد الفراغ منه ) . ولنقدم قبل الخوض في المقصود بمقدمة في ذكر الطعام وما فيه من المصلحة والمفسدة . فاعلم أن المريد السالك بحسن نيته وصحة مقصده ونور علمه وإتيانه بآدابه تصير عاداته عبادة ، فإنما هو وقته للّه تعالى ويريد حياته للّه تعالى فتدخل عليه أمور العادة لموضع حاجته وضرورة بشريته ، وتحف بعاداته أنوار يقظته وحسن نيته فتنور العادات وتشكل بالعبادات ، ولهذا ورد « نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وصمته حكمة » هذا مع كون النوم عين الغفلة ، ولكن كل ما يستعان به على العبادة يكون عبادة ، فتناول الطعام أصل كبير يحتاج إلى علوم كثيرة لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية وتعلق أثره بالقلب والقالب ، وبه قوام البدن بإحياء سنة اللّه تعالى بذلك ، والقالب مركب القلب وبهما عمارة الدنيا والآخرة . وقد ورد « أرض الجنة قيعان نباتها التسبيح والتقديس » والقالب بمفرده على طبيعة الحيوانات يستعان به على عمارة الدنيا ، والروح والقلب من طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة وباجتماعهما صلحا لعمارة الدارين ، واللّه تعالى ركب الآدمي بلطيف حكمته من أخص جواهر الجسمانيات والروحانيات وجعله مستودع خلاصة الأرضين والسماوات ، وجعل عالم الشهادة وما فيها من النبات والحيوان لقوام بدن الآدمي ، فكون الطبائع وهي الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة وكون بواسطتها النبات وجعل النبات قواما للحيوانات وجعل الحيوانات مسخرات للآدمي يستعين بها على أمر معاشه لقوام بدنه ، فالطعام يصل إلى المعدة وفي المعدة طبائع أربع ، وفي الطعام طبائع أربع . فإذا أراد اللّه تعالى اعتدال مزاج البدن أخذ كل طبع من طباع المعدة ضده من طبائع الطعام فتأخذ الحرارة البرودة والرطوبة اليبوسة فيعتدل المزاج ويأمن الاعوجاج ، وإذا أراد اللّه إفناء قالب وتخريب بنية أخذت كل طبيعة جنسها من المأكول فتميل الطبائع ويضطرب المزاج ويسقم البدن ذلك تقدير العزيز العليم . روي عن وهب بن منبه قال : وجدت في التوراة صفة آدم عليه السلام إني خلقت آدم ركبت جسده من أربعة أشياء : من رطب ويابس وبارد وسخن ، وذلك لأني خلقته من التراب وهو يابس