أما بعد ؛ فإن مقصد ذوي الألباب لقاء اللّه تعالى في دار الثواب ، ولا طريق إلى الوصول للقاء اللّه إلا بالعلم والعمل ، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات . والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين : إن الأكل من الدين وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين :
كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً
[ المؤمنون : 51 ] فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى ، فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه ، وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها
شرح
( بتعاقب الساعات ) وهي أجزاء الزمان وتعاقبها بأن يأتي بعضها عقب بعض ، ( وسلم تسليما كثيرا ) كثيرا .
( أما بعد ؛ فإن مقصد أولي الألباب ) أي مطمح نظرهم من قصدهم ، وأولو الألباب أصحاب العقول الزكية الراجحة ( لقاء اللّه سبحانه ) والنظر إليه ( في دار الثواب ) أي الجنة ، ( ولا طريق للوصول إلى اللقاء ) المذكور ( إلا بالعلم ) باللّه ( والعمل ) للّه تعالى وهو المدبر بالعلم المذكور ، ( ولا يمكن المواظبة ) أي المداومة ( عليهما ) على وجه الكمال ( إلا بسلامة البدن ) الذي هو مسكن الروح الإنساني من العلل والعوارض ، ( ولا يصفو سلامة البدن ) بحفظه ومراعاته ( إلا بالأطعمة والأقوات ) المغذية له ، ( والتناول منها قدر الحاجة ) أي قدر ما يحتاج إليه البدن مع محبته له ( على تكرر الأوقات ) فمع تكررها يتكرر التناول ( فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين ) : يعني به الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى كما صرح به صاحب القوت ، ( أن الأكل من الدين ) قدمه اللّه على العمل ( وعليه نبه رب العالمين ) جل شأنه ( وهو أصدق القائلينكُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً .) وكان سهل يقول : من لم يحسن أدب الأكل لم يحسن أدب العمل ، ( فمن يقدم على الأكل ) بنية صالحة وهي ( يستعين به على العلم والعمل ) أي على تحصيلهما ( ويقوى به على التقوى ) وهو صيانة النفس عما تستحق به العقوبة ( فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا سدى ) وهو بالضم مقصورا يقال :
تركته سدى أي مهما فذكره بعد المهمل تأكيد ( يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى ) فيأكل من غير قانون ينتهي إليه كما تأكل الدواب ، ( فإنما هو ) أي الأكل ( ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ) أي إلى إقامته ( ينبغي أن تظهر ) أشعة ( أنوار الدين عليه ، وإنما أنوار الدين آدابه وسنته التي يزم العبد بزمامها ) . وأصل الزمام بالكسر الخيط الذي يشد في البرة أو في الخشاش ثم يشد إليه المقود ثم سمي به المقود نفسه وقد زمه زما شد عليه زمامه ، ( ويلجم المتقي بلجامها ) وهو ما يشد به فم الفرس عربي ، وقيل : معرّب ( حتى يتزن بميزان