تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
بالمأكولات قوى الحيوانات ، وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل الطيبات ، والصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات ، وعلى آله وأصحابه صلاة تتوالى على ممر الأوقات ، وتتضاعف بتعاقب الساعات ، وسلم تسليما كثيرا .
شرح
بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منها ، أو أبدع في الماء قوة فاعلية وفي الأرض قوة قابلية فتولد من اجتماعهما أنواع الرزق والأقوات ، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنائع وحكم يجدد فيها لأولي الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ما ليس ذلك في إيجادها دفعة واحدة ، وإليه الإشارة بقوله تعالىالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ[ البقرة : 22 ] وفي الجملة إشارة إلى قوله تعالىوَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها[ فصلت : 10 ] ( وحفظ بالمأكولات قوى الحيوانات ) وهي من الأمور الطبيعية ، إعلم أنه لما وجدت أفعال تصدر من البدن بعضها إرادي كالقيام والقعود وبضعها غير إرادي كحركة القلب للترويح وتوليد الكبد للدم فلا محالة أن في كل عضو معنى هو الذي يقوم بذلك الفعل وهو المعنى بالقوة ، فالقوة هيئة في الجسم الحيواني بها قوى على أن يفعل أفعاله بالذات ، وهي ثلاثة أجناس : إحداها القوى الطبيعية ، والثانية القوى النفسانية ، والثالثة القوى الحيوانية . وهذا القسم الأخير هي القوة التي إذا حصلت في الأعضاء هيأتها لقبول الحس والحركة ، وبالجملة تفيد الحياة والأفعال المنسوبة إلى الحي فهي مبدأ لحركة القلب والشرايين ، ولحركة الجوهر الروحي اللطيف إلى الأعضاء والقوى النفسانية لا تحدث في الروح والأعضاء إلا بعد حدوث هذه القوة بخلاف القوى الطبيعية ، فإنها توجد في النبات ، وإن تعطل عضو من القوى النفسانية ولم يتعطل من هذه القوى فهو حي ألا يرى أن العضو الخدر والمفلوج فاقدان لقوة الحس والحركة وهو مع ذلك حي ، وإلا لفسد وعفن فإذا فيه قوة تحفظ حياته وليس هذه القوة قوة التغذية وغيرها ، وإلا لكان النبات مستعدا لقبول الحس والحركة . ( وأعان على الطاعات ) جمع طاعة وهي كل ما فيه رضا وتقرب إلى اللّه تعالى ، وهي عندنا موافقة الأمر ، وعند المعتزلة موافقة الإرادة ( والأعمال الصالحات ) والعمل الصالح هو المراعى من العلم ، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وأحكامه ( بأكل الطيبات ) وهي الحلال من المأكولات فهو مما يعين على حسن الطاعة وسلوك سبيل العمل الصالح . وفي الخبر « أطب طعمتك تستجب دعوتك » . ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد ذي المعجزات الباهرات ) أي الظاهرات ظهور القمر على سائر الكواكب ، ولذا قيل للقمر الباهر ، وقيل معناه الغالبات أو الفاضلات ، وهذه المعاني متقاربة والمعجزة أمر خارق للعادة يدعو إلى الخير والسعادة مقرون بالتحدي قصد به إظهار صدق مدعي الرسالة ، وقد تقدم ما يتعلق بها في آخر كتاب العقائد ، ( وعلى آله ) هو من يؤول إليه بالقرابة القريبة ، ( وأصحابه ) من تشرف بمشاهدته وصحبته ولو لحظة . ( صلاة تتوالى ) أي تتكرر ( على ممر الأوقات ) على مرورها وقتا بعد وقت ، ( وتتضاعف ) أي تزيد ضعفا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 571 | مرتضى الزبيدي