الحمد للّه الذي أحسن تدبير الكائنات ، فخلق الأرض والسماوات ، وأنزل الماء الفرات من المعصرات ، فأخرج به الحب والنبات ، وقدّر الأرزاق والأقوات ، وحفظ
شرح
نبيه الكريم ، إذ باسمه الشريف يتبرك في مبادئ الأمور وبسره تنال الأماني وتنشرح الصدور ، ثم أردفه بقوله : ( الحمد للّه ) إذ ما من خير من خيور الدنيا والآخرة إلا وهو موليه ، فالحمد في الحقيقة كله له وهو رأس الشكر لكونه أدل على مكان النعم لخفاء الاعتقاد ، فمن لم يحمده لم يشكره وما بكم من نعمة فمن اللّه ( الذي أحسن تدبير الكائنات ) أي المخلوقات الكونية ، وأصل الكون حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن وهو مرادف للوجود المطلق العام وتدبيرها النظر في عواقبها بما يصلحها مما يفسدها ، والمراد بإحسانه هذا إعطاؤها ما يليق لها وبها ، وإليه يشير قوله تعالى في مقام المنةأَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ طه : 50 ] ( فخلق الأرض ) متوسطة بين الصلابة والرخاوة حتى صارت متهيأة كالفراش المبسوط ( والسماوات ) كالقبة المضروبة عليها ، والأرض هو الجرم المقابل للسماء الجامع لنبات كل نابت ظاهرا وباطنا ، فالظاهر كالمواليد وكل ما الماء أصله والباطن كالأعمال والأخلاق وجمعها أرضون ولم تجمع في القرآن ولذلك آثر صيغة الإفراد ، ( وأنزل الماء الفرات ) أي العذاب يقال : فرت الماء فروتة كسهل سهولة إذا عذب ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغراب وغربان ( من المعصرات ) أي من السحائب من أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، أو هي الرياح ذوات الأعاصير ، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشئ السحاب وتدر أخلافه . في الجملة إشارة إلى آيتين .
إحداهما : قوله تعالى :أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً[ المرسلات : 27 ] وأراد به ماء السماء فإنه عذب سهل .
الثانية : قوله تعالى :وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً[ النبأ : 14 ] أي منصبا بكثرة والفرات بالمعنى المذكور يرسم هكذا بالتاء المطولة ، وأما بمعنى النهر المشهور فيرسم بالوجهين ، وفي الآية الأولى دليل على أن سقى وأسقى يستعملان في الخير خلافا لمن ادعى أن سقى للخير وأسقى في الشر ، ( فأنشأ الحب والنبات ) الحب اسم لتمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاما للآدمي الذي هو أتم خلقه ، والنبات هو ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أم لا كالنجم ، لكن خص عرفا بما لا ساق له بل خص عند العامة بما يأكله الحيوان ومن يعتبر الحقائق فإنه يستعمله في كل نام نباتا وحيوانا . ( وقدر الأرزاق والأقوات ) هو من باب عطف الخاص على العام . إذ الأرزاق جمع رزق بالكسر وهو ما يسوقه اللّه إلى الحيوان للتغذي أي ما به قوام الجسم ونماؤه ، والأقوات جمع قوت بالضم هو ما يمسك الرمق . والرزق على قسمين ظاهر وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان ، وباطن وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار ، واللّه تعالى هو المتولي بتقدير الرزقين فالأرزاق تتناول الأقوات وغيرها وتقدير كل منها بقدرة اللّه ومشيئته . ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها كالنطفة للحيوان