تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
شرح
مجلس شريك وهو على الحديث فقال : حدثنا شقيق بن سلمة عن أبي مسعود فوقع نظره على هذا الزاهد فقال شريك : من كثرت صلاته الخ . فسمعه الزاهد فظن أنه متن الإسناد فرواه مسندا فصار حديثا عند من لا يعرف الحديث اه . وذكر الحافظ هذا السبب من وجه آخر بعد أن قال لا أصل له ، ولم يقصد ثابت وضعه ، وإنما دخل على شريك وهو بمجلس إملائه عند قوله : حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان عن جابر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم يذكر المتن ، فقال شريك : متصلا بالسند أو المتن حين نظر إلى ثابت ممازحا به من كثرة صلاته الخ معرضا بزهده وعبادته ، فظن ثابت أن هذا متن السند فحدث به . وقال الحافظ السيوطي في أعذب المناهل : حكم الحفاظ على هذا الحديث بالوضع وأطبقوا على أنه موضوع هذا لفظه ، ثم أنه قد أورده في جامعه الكبير والصغير . قال في الكبير رواه ابن ماجة والعقيلي والبيهقي عن جابر وابن عساكر عن أنس ، واقتصر في الصغير على إشارة ابن ماجة ، ولذا وجد شارحه المناوي سبيلا في الطعن عليه حيث قال : إذا كان الحديث موضوعا باتفاق المحدثين فكيف يورده في كتاب ادعى أنه صانه عما تفرد به وضاع واللّه أعلم . وعلى تقدير ثبوت الحديث فاختلف في المراد بالنهار ، فالمشهور أنه نهار الدنيا ومعناه استنار وجهه وعلاه بهاء وضياء ، وقيل : المراد به نهار القيامة ، وهذا قد ذكره الثعلبي وأورده السهروردي في آخر الباب الخامس والأربعين في ذكر فضل قيام الليل من كتاب العوارف ما لفظه : وقد ورد من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار ، ويجوز أن يكون لمعنيين : أحدهما : أن المشكاة تستنير بالمصباح فإذا صار سراج اليقين في القلب يزهر بكثرة زيت العمل بالليل فيزداد المصباح إشراقا فتكسب مشكاة القلب نورا وضياء . كان سهل بن عبد اللّه يقول : اليقين نار ، والإقرار فتيله ، والعمل زيت . وقد قال اللّه تعالى :سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ[ الفتح : 29 ] وقال تعالى :مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ[ النور : 35 ] فنور اليقين من نور اللّه تعالى من زجاجة القلب يزداد ضياء بكثرة زيت العمل ، فتبقى زجاجة القلب كالكوكب الدري ، وتنعكس أنوار الزجاجة على مشكاة القلب ، وأيضا يلين القلب بنار النور ويسرى لينه إلى القالب فيلين القالب بلين القلب فيتشابهان لوجود اللين الذي عمهم . قال اللّه تعالى :ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ الزمر : 23 ] وصف الجلود باللين كما وصف القلوب باللين ، فإذا امتلأ القلب بالنور ولأن القلب بما يسري فيه من الأنين والسرور يندرج المكان والزمان في نور القلب ، وتندرج فيه الكلم والآيات والسور وتشرق الأرض أرض القالب بنور ربها إذ يصير القلب سماويا والقالب أرضيا ولذة تلاوة كلام اللّه تعالى في عمل المناجاة تستركون الكائنات ، والكلام المجيد بكونه ينوب عن سائر الوجود في مزاحمة صفو الشهود ، فلا يبقى حينئذ للنفس حديث ولا يسمع للهاجس حثيث وفي مثل هذه الحالة يتصور تلاوة القرآن من فاتحة إلى خاتمة من غير وسوسة وحديث نفس وذلك هو الفضل العظيم .