شرح
والسجدة التاسعة : في النمل وموضع السجود منها مختلف فيه فقيل عند قولهيَعْلَمُونَوقيل عند قولهرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[ النمل : 24 ، 25 ] فهذا هو سجود توحيد العظمة ان سجد في العظيم ، وإن سجد في قولهأَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَيقول إن الشمس التي يسجدون لها وإن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون وما يعلنون أولى ، ثم أنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات فقال اللّه لهم : ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخبء في السماوات وهو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها وخبئها ، ثم يظهرها طالعة من ذلك الخبء وفي الأرض ما تخرجه من نباتها ، فالشمس ليس لها ذلك بل بظهورها يكون خبأ في السماوات الكواكب ، فاللّه أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس ، فإن حكمها عند اللّه حكم الكواكب في الأفول والطلوع فطلوعها من الخبء الذي يخرجه اللّه في السماء مثل سائر الكواكب ، فهذا سجود الرجحان ، فإن الدليل هنا في خبء اللّه أرجح منه في الدلالة على ألوهية الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه .
والسجدة العاشرة : في السجدة عند قوله تعالى :إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ[ السجدة : 15 ] هذا سجود الغافلين لأنه سجود عن تذكر ، فلما ذكروا أيقظتهم الذكرى عن غفلتهم قال تعالىوَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[ الذاريات : 55 ] فيسجدون ويسبحون في سجودهم بحمد ربهم وقولهوَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ *يعني عند الذكرى لا يتكبرون عن قبول ما ذكروا به من آيات ربهم .
والسجدة الحادية عشرة في ص : عند قولهوَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ[ ص : 24 ] فهذا سجود الإنابة وهي سجدة شكر ، وفي السجود فيها خلاف ، فإن داود سجدها إنابة ونحن نسجدها شكرا لقوله تعالى :فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ[ ص : 25 ] .
والسجدة الثانية عشرة في حم السجدة : وفي موضعها خلاف فقيل عند قوله :إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[ فصلت : 37 ] فهي عنده سجود عبادة ومن سجد عند قولهوَهُمْ لا يَسْأَمُونَ[ فصلت : 38 ] كانت عنده سجدة نشاط ومحبة .
وأما السجدة الثالثة عشرة سجدة النجم : فإنها أمر بها أهل الغناء واللهو وهم السامدون أي وان كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن واسجدوا للّه فيه واعبدوه وهي لغة حميرية . يقال : اسجد لنا أي عن لنا ، وكانت العرب إذا سمعت القرآن غنت حتى لا تسمع القرآن ، فأنكر عليهم من كونهم يغنون ويضحكون ولا يبكون ، فإذا كنتم بهذه المثابة فاسجدوا للّه أي من أجل اللّه واعبدوا فإن الذلة والافتقار تمنع من الضحك فهو أنفع لكم ، فإن اللّه قد مدح قوما خروا سجدا وبكيا ، فان موطن الدنيا موطن حذر واشفاق ما هو موطن أمان ، والحكيم العالم هو الذي يعامل كل موطن بما تقتضيه الحكمة . وهذه سجدة خلاف .