شرح
والسجدة الرابعة في بني إسرائيل عند قولهوَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً[ الإسراء : 109 ] فهذه سجدة الزيادة في الخشوع والخشوع لا يكون إلا عن تجل إلهي ، فزيادة الخشوع دليل على زيادة التجلي ، فهي سجدة التجلي .
والسجدة الخامسة في مريم عند قولهإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا[ مريم : 58 ] هذا بكاء فرح وسرور وآيات قبول ورضا ، فإن اللّه قرن هذا السجود بآيات الرحمن ، والرحمة لا تقتضي القهر والعظمة ، وإنما تقتضي اللطف والعطف الإلهي فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم اللّه به من هذه الآيات ، فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع ، والدموع دموع فرح لا دموع كمد وحزن لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه .
والسجدة السادسة : في الحج عند قولهإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ[ الحج : 78 ] وذكر سجود كل شيء في هذه الآية ، ولم يبعض إلا الناس فإنه قال : وكثير من الناس ، وجعل ذلك من مشيئته فبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد للّه لا من الكثير الذي حق عليه العذاب ، فإذا رأى هذا العبد أن اللّه تعالى قد وفقه للسجود ولم يحل بينه وبين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم ممن في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب .
والسجدة السابعة : في سورة الحج في آخرها عند قوله :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ الحج : 77 ] فهذا سجود الفلاح وهو البقاء والفوز والنجاة ، فكان فعل الخير مبادرته بالسجود عندما يسمع هذه الآية تتلى سببا لإيمانه إذ كان اللّه رؤوفا بالمؤمنين في هذه الآية ، وأمرهم بالركوع والسجود له فالتحقوا بالملائكة في كونهم يفعلون ما يؤمرون ، فسجد العبد فافلح وهي سجدة خلاف .
والسجدة الثامنة : في الفرقان عند قولهوَزادَهُمْ نُفُوراً[ الفرقان : 60 ] قيل لهم اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عندما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لإسمه الرحمن فهذه تسمى سجدة الامتياز ، واللّه يقولوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ[ يس : 59 ] فيقع الامتياز بين المنكرين الاسم الرحمن ، وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند هذه التلاوة ، وزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به ، ولهذا قالوا : وما الرحمن ؟ على طريق الاستفهام ، فهذا سجود انعام لا سجود قهر ، فإن الكفار أخطأوا حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف ، ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف ، فلا ينبغي أن يكون السجود لمن له هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة ، فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا فمازادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن ، فإن الرحمن من عصاه عفا عنه وتجاوز فلا يكلف ابتداء ، ولو علم منه الجاهل ان أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف ، وإنما يناقض المؤاخذة ويزيد في الجزاء بالحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن .