شرح
صلّى اللّه عليه وسلم ونترك فيما ترك وإن كان اللفظ بالأمر يقتضي السجود ، ولكن لا نسجد لكون الشارع ما شرع السجود إلا في مواضع مخصوصة لا تتعدى ، والسجود المشروع في غير التلاوة مذكور ، كسجود الانسان عند رؤية الآيات ، وكسجود الشكر وغير ذلك عدد عزائم سجود القرآن ، ونجمع المختلف فيه إلى المجمع عليه ، وهي إحدى عشرة إلى خمس عشرة سجدة ، فمنها ما ورد بصيغة الخبر ، ومنها ما ورد بصيغة الأمر ، فمنها في الأعراف في خاتمتها فأما الأعراف فسور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، وعليه رجال تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، ولم تثقل موازينهم ولا خفت ، وخاتمة هذه السورة قوله :وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا[ الأعراف :
204 ] وهذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة ، والسجود ركن من أركان الصلاة وختم هذه السورة بذكر الملائكة فوصفهم فقالإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَوهم المقربون من الملائكةلا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ[ الأعراف : 206 ] يقول يذلون ويخضعون له ويسبحونه أي ينزهونه عن الصفات التي تقربوا بها إليه من الذلة والخضوع وله يسجدون ، فوصفهم بالسجود له سبحانه مع هذه الأحوال المذكورة وقال في آية ذكر النبيين لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعينأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : 90 ] فأي هداية أعظم مما هدى اللّه به الملائكة فسجد هذا التالي في هذا الموضع اقتداء بالملأ الأعلى وبهديهم ، ورأى أصحاب الأعراف أن موطن القيامة قد سجد فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند طلبه من ربه فتح باب الشفاعة ، وسمع اللّه يقوليَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ[ القلم : 42 ] فعلموا أنه موطن سجود فيسجد أهل الأعراف في ذلك الموطن ، فيرجح ميزانهم بتلك السجدة لأنها سجدة تكليف مشروعة عن أمر الهي ، فيدخلون الجنة فهذه سجدة الأعراف .
والسجدة الثانية : سجدة في سورة الرعد عند قوله :وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ[ الرعد : 15 ] وظلال الأرواح أجسادها فأخبر اللّه تعالى أنه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض فهو خبر ، فتعين على العبد أن يصدق اللّه تعالى في خبره بسجوده عنه فيسجد طائعا . فإنه يسجد في نفس الأمر على كره وإن لم يشعر بذلك فيوقعها عبادة ليكون أنجى له ، وذكر الغدوّ والآصال وهي الأوقات المنهي عنها ، فأخرج حكم السجود من حكم النافلة ، وجعل حكمه حكم الفرائض في الأداء ، فتعين على التالي في هذه الآية السجود فيجازى من باب من صدق ربه في خبره ، والأولى سجدة اقتداء ، والثانية سجدة تصديق .
والسجدة الثالثة في النحل عند قوله :وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ[ النحل : 50 ] فذكر الملائكة والظلال بالسجود ، وسجدوا في الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال اللّه ، وهنا أثنى اللّه عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أمره فسجدها العبد رغبة في أن يكون ممن أثنى اللّه عليه بما اثنى به على ملائكته فهي للعبد سجود ذلة وخضوع ، فإنه يقول يتفيأوا ظلاله الضمير في ظلاله يعود على الشيء المخلوق ، وقد قلنا : إن الأجسام ظلال الأرواح ولا تتحرك إلا بتحريك الأرواح أياما ، ثم قال : عن اليمين والشمائل سجّدا للّه وهم داخرون أي أذلاء فهو سجود ذلة وخضوع .