الراعي غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها ، فإذا جنّهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم وافترشوا لي وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إليّ بانعامي ، فبين صارخ وباك وبين متأوه وشاك بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي . أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم . والثانية : لو كانت السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم ، والثالثة : اقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه ؟ وقال مالك بن دينار رحمه اللّه : إذا قام العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز وجل وكانوا يرون ما يجدون من الرقة والحلاوة في قلوبهم
شرح
نسخته وهو من الطلوع إلى الزوال ( بالنهار ) أي يراعونها لإقامة الأوراد فيه ( كما يراعي الراعي ) الشفيق ( غنمه ويحنون ) أي يميلون باشتياق ( إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها ) عند الغروب ، ( فإذا جنهم الليل ) أي سترهم ( واختلط الظلام ) وفرشت الفرش ونصبت الأسرّة ( وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم ) أي للقيام في الصلاة ( وافترشوا لي وجوههم ) أي بالسجود ( وناجوني بكلامي وتملقوا لي بانعامي فمن بين صارخ وباك وبين متاوّه وشاك ) أي باختلاف أحوالهم بين الصريخ عند غلبة الحال ، وبين البكاء والتضرع والتأوّه والشكاية . وقال أبو سليمان الداراني : أهل الليل على ثلاث طبقات منهم من إذا قرأ فتفكر بكى ، ومنهم إذا تفكر صاح وراحته في صياحه ، ومنهم إذا قرأ فتفكر بهت فلم يبك ولم يصح . قال الراوي قلت له : من أي شيء بهت هذا ، ومن أي شيء صاح هذا ؟ فقال لا أقوى على التفسير . ( بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشكون من حبي . أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم . والثانية : لو كانت السماوات السبع والأرض وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم . والثالثة : اقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه ) ؟ هكذا ساقه صاحب القوت بطوله .
ونقله أيضا صاحب العوارف وزاد : فالصادق المريد إذا خلا في ليلة بمناجاة ربه انتشرت أنوار ليله على جميع أجزاء نهاره ، ويصير نهاره في حماية ليله وذلك لامتلاء قلبه بالأنوار فتكون حركاته وتصاريفه بالنهار تصدر من منبع الأنوار المجتمعة من الليل ، ويصير قالبه في فئة من فئات الحق مسددة حركاته موفرة سكناته .
( وقال مالك بن دينار ) أبو يحيى البصري رحمه اللّه تعالى : ( إذا قام العبد يتهجد من الليل ) ورتّل القرآن كما أمر ( قرب منه الجبار عز وجل ) كذا في القوت إلا أنه قال : قرب الجبار منه . ( قال ) مالك ، ( وكانوا يرون ) أن ( ما يجدون في قلوبهم من الرقة والحلاوة )