تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
فإن قلت : إنه ينتظر جوابه فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام اللّه تعالى ؟ فاعلم أنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضا لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه . كيف والموقن يسمع من اللّه تعالى كل ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذذ به ؟ وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء انعامه والرجاء في حق اللّه تعالى أصدق وما عند اللّه خير وأبقى وأنفع مما عند غيره ، فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات ؟ وأما النقل ؛ فيشهد له أحوال قوّام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم : كيف أنت والليل ؟ قال : ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد . وقال آخر : أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر . وقيل لبعضهم : كيف الليل عليك ؟ فقال :
شرح
( فإن قلت : إنه ينتظر جوابه فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام اللّه عز وجل ؟ فاعلم أنه وإن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فاللذة باقية له في عرض أحواله ) أي أثنائها ( و ) في ( رفع سريرته ) الباطنة ( إليه . كيف والموقن يسمع من اللّه عز وجل كل ما يرد على خاطره ) من الإشارات ( في أثناء مناجاته ) ومحاورته ( فيتلذذ به ، وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه ) وإحسانه ( والرجاء في حق اللّه تعالى صدق ) لا خلف فيه بخلاف الرجاء في الملك ( وما عند اللّه سبحانه أبقى وأنفع مما عند غيره ) لوجوه كثيرة . ( فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات ) ؟ فهذه شهادة العقل . ( وأما النقل ؛ فتشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له ) السين هنا للوجدان . يقال : استقصره إذا وجده قصيرا أو عدّه كذلك ( كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب ) أي يجدها قصيرة ويتمنى لو طالت ، ومن هنا قول بعضهم سنة الوصل سنة كما أن سنة الهجر سنة ، وهم ثلاثة أصناف : قوم قطعهم الليل فكان هؤلاء المريدون والأوراد والأجزاء كابدوا الليل فغلبهم ، وقوم قطعوا الليل فكان هؤلاء العاملون الذين صبروا وصابروا الليل فغلبوه ، وقوم قطع بهم الليل فكان هؤلاء المحبون والعلماء أهل الفكر والمحادثة ، وأهل الانس والمجالسة ، وأهل الذكر والمناجاة ، وأهل التخلق والملاقاة نقص الليل عليهم حالهم وقصر النعيم عليهم ليلهم ورفع الحبيب عنهم نومهم وخفف الفهم عليهم قيامهم واذهب مزيد الوصل عنهم مللهم وأوصل العتاب بهم سهرهم ، ( حتى قيل لبعضهم : كيف أنت والليل : فقال : ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته ) نقله صاحب القوت . ( وقال آخر ) منهم : ( أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر ) نقله صاحب القوت . والرهان :