الرابع : وهو أشرف البواعث الحب للّه وقوّة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك الخطرات من اللّه تعالى خطاب معه ، فإذا أحب اللّه تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام . ولا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل .
فأما العقل ، فليعتبر حال المحب الشخص بسبب جماله أو الملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله .
فإن قلت : إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وأن اللّه تعالى لا يرى ؟ فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمحاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه ، وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه ، وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده .
شرح
( الرابعة : وهي أشرف البواعث الحب للّه عز وجل وقوّة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه عز وجل وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه ) من الإشارات الإلهية العارية عن الوساوس ( وأن تلك الخطرات ) التي تمر بقلبه يشاهدها بعين قلبه وانها ( خطاب من اللّه تعالى معه ) وهذا من مقامات الاحياء ، ( فإذا أحب اللّه عز وجل ) وقوي إيمانه وزاد نشاطه بمعرفته ( أحب لا محالة الخلوة به ) عن خطور خطرات السوى ( وتلذذ بالمناجاة بالحبيب ) في قيامه ( فتحمله لذة المناجاة للحبيب على طول القيام ) واستمرار المناجاة . ( ولا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذا شهد له العقل والنقل ) وفي نسخة إذ يشهد العقل والنقل .
( أما العقل : فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله ) وحسن صورته وكمال خلقه ( أو لملك بسبب انعامه ) عليه ( ونواله ) له واحسانه به ( كيف يتلذذ بالخلوة به ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليلته ) ولا يبالي بسهره وما يلقاه من النصب فيه بل ما يمر بخاطره طول الليل .
( فإن قلت : إن الجميل ) الذي ضربت به المثل للاعتبار إنما ( يتلذذ بالنظر إليه ) فترى العين منه منظرا حسنا فيحول بينها وبين النوم حجاب ، ( وأن اللّه سبحانه لا يرى ) في الدنيا فكيف التلذذ بمناجاته ؟ ( فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر وكان في بيت مظلم ) مثلا ( لكان المحب ) له ( يتلذذ بمحاورته ) أي محادثته ( المجردة ) عن الرؤية ( دون النظر ) إليه ( ودون الطمع في أمر آخر سوى ذلك ) وفي نسخة سواه ، ( وكان يتنعم باظهار حبه إليه وذكره بلسانه بمسمع منه ) وإن لم يكن بمرأى ، ( وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده ) .