وقال بعض السجانين : كنت سجانا نيفا وثلاثين سنة أسأل عن كل مأخوذ بالليل أنه هل صلى العشاء في جماعة ، فكانوا يقولون : لا . وهذا تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي الفحشاء والمنكر .
شرح
وسائر الخيرات . ) وتقدم أن الفحشاء ما ينفر عنه الطبع السليم وينقصه العقل المستقيم من رذائل الأعمال الظاهرة ، والمنكر ما أنكره العقل واستخبثه الشرع .
( وقال بعض السجانين بدينور ) بكسر الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح النون والواو آخره راء مدينة مشهورة بفارس : ( بقيت سجّانا نيفا وثلاثين سنة أسأل عن كل مأخوذ بالليل انه هل صلى العشاء في جماعة ؟ فكانوا يقولون : لا . فهذا تنبيه ) لأهل الاعتبار ( أن بركة الجماعة تمنع من تعاطي الفحشاء والمنكر ) يعني أنهم لو صلوا في جماعة لما أخذوا ليلتهم لأن بركة الجماعة كانت تمنعهم من تعاطي ما يؤخذون بسببه ، وبقيت أسباب معينة للقيام لم يشر إليها المصنف .
فمن ذلك استقبال الليل عند الغروب بتجديد الوضوء والقعود مستقبل القبلة منتظرا مجيء الليل وصلاة المغرب ، مقيما في ذلك على أنواع الأذكار .
ومن ذلك مواصلة ما بين العشاءين بأنواع العبادات فإنها تغسل من باطنه آثار الكدورة الحادثة في أوقات النهار من رؤية الخلق ومخالطتهم وسماع كلامهم ، فإن ذلك كله له أثر وخدش في القلوب حتى النظر إليهم يعقب كدرا في القلب يدركه من يرزق صفاء القلب فيكون أثر النظر إلى الخلق في عين البصيرة كالقذى في العين وبالمواصلة بين العشاءين يرجى ذهاب ذلك الأثر .
ومن ذلك ترك الحديث بعد العشاء الأخيرة فإن الحديث في ذلك الوقت يذهب طراوة النور الحادث في القلب من مواصلة العشاءين ، ويعين على قيام الليل سيما إذا كثر وكان عريا عن يقظة القلب ثم تجديد الوضوء بعد العشاء الآخرة أيضا معين على قيام الليل . قال صاحب العوارف :
حكى بعض الفقراء عن شيخ له بخراسان أنه كان يغتسل في الليل ثلاث مرات . مرة بعد العشاء الآخرة ، ومرة في أثناء الليل بعد الانتباه من النوم ، ومرة قبل الصبح . فللوضوء والغسل بعد العشاء الآخرة أثر ظاهر في تيسير قيام الليل .
ومن ذلك القعود على الذكر أو القيام بالصلاة حتى يغلب النوم يعين على سرعة الانتباه إلا أن يكون واثقا من نفسه وعادته فيتعمد للنوم ويستجلبه ليقوم في وقته المعهود ، وإلّا فالنوم عن الغلبة هو الذي يصلح للمريدين كما تقدم . فمن نام عن غلبة بهم مجتمع متعلق بقيام الليل يوفق لقيام الليل ، وإنما النفس إذا طمعت ووطئت على النوم استرسلت فيه ، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار ، وقد قيل للنفس نظران : نظر إلى تحت لاستيفاء الأقسام البدنية ، ونظر إلى فوق لاستيفاء الأقسام الروحانية ، فأرباب العزيمة تجافت جنوبهم عن المضاجع لنظرهم إلى فوق إلى الأقسام العلوية الروحانية ، فأعطوا لنفس حقها من النوم ومنعوها حظها ، فالنفس بما فيها