الأوّل : أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام . كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول : معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتتحسروا عند الموت كثيرا ، وهذا هو الأصل الكبير وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام .
الثاني : أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضا مجلبة للنوم .
الثالث : أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنّة للاستعانة على قيام الليل .
الرابع : أن لا يجتنب الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة . قال رجل للحسن : يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد
شرح
الأوّل : أن لا يكثر الأكل ) فتكثر الأبخرة الحارة ( فيشرب ) فترتخي عروقه ( فيغلبه النوم ) لا محالة ( ويثقل عليه القيام ) حينئذ . ( كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول : يا معشر المريدين ) وفي نسخة : معاشر المريدين ( لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتتحسروا عند الموت كثيرا ) لأنه برقادهم كثيرا يفوتهم قيام الليل فيتحسرون بفواته إذا دنا رحيلهم ، ويندمون حيث لا ينفع الندم والحسرة وفي نسخة « فتحسروا » ( وهذا هو الأصل الكبير ) في هذا الشأن ، ( وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام ) ، ويتبع هذا السبب الظاهر سبب آخر باطن وهو أن يتناول ما يأكل من الطعام إذا اقترن بذكر اللّه ويقظة الباطن فإنه يعين على قيام الليل لأن بالذكر يذهب داؤه ، فإن وجد للطعام ثقلا على المعدة فينبغي أن يعلم أن ثقله على القلب أكثر فلا ينام حتى يذيب الطعام بالذكر والتلاوة والاستغفار .
( الثاني : أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال ) والاشغال ( التي تعيا ) أي تعجز ( بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب ) والقوى ، ( فإن ذلك أيضا مجلبة للنوم ) أي سبب حامل له كما هو مشاهد في أهل الكد في الأعمال الدنيوية ، فإنهم إذا أمسى عليهم الليل غلب عليهم التثاقل وغلب عليهم النوم .
( الثالث : أن لا يترك القيلولة بالنهار ) وهي النوم في وسط النهار ، ( فإنها سبب الاستعانة على قيام الليل ) وفي نسخة سنّة الاستعانة . رواه ابن ماجة من حديث ابن عباس وقد تقدم .
( الرابع : أن يجتنب الأوزار ) والمعاصي ( بالنهار فإن ذلك ) أي تحمل الأوزار ربما ( يقسّي القلب ) ويسوده ( ويحول بينه وبين أسباب الرحمة ) فإن القلوب القاسية بعيدة عن الرحمات الإلهية ( قال رجل للحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( يا أبا سعيد إني أبيت معافى ) أي في بدني ( وأحب قيام الليل وأعد طهوري ) أي أهيئه ( فما بالي ) أتكاسل و ( لا أقوم )