تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
في العبادة فكلهم على الصواب :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
[ الاسراء : 57 ] وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله . وأقربهم إلى اللّه تعالى أعرفهم به وأعرفهم به لا بد وأن يكون أعبدهم له ، فمن عرفه لم يعبد غيره . والأصل
شرح
إلى ما ذكرناه ، ولكن على وجه توهم عند غير المحصل شيئا في معنى الحلول والاتحاد وذلك غير مظنون بعاقل ، فضلا عن المتميز بخصائص المكاشفات ، ولقد سمعت الشيخ أبا علي الفارمدي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكرماني قدس اللّه روحهما أنه قال : إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك وهو بعد في السلوك غير واصل ، وهذا الذي ذكرناه إن أراد به شيئا يناسب ما أوردناه في التنبيهات فهو صحيح ولا يظن به إلا ذلك ، ويكون في اللفظ نوع توسع واستعارة وإلا فمعاني الأسماء هي صفات اللّه تعالى وصفاته لا تصير صفة لغيره ، ولكن من يحصل ما يناسب تلك الأوصاف كما يقال : فلان حصل علم الأستاذ وعلم الأستاذ لا يحصل للتلميذ ، بل يحصل له مثل علمه وإن ظن ظان أن المراد به ليس ما ذكرناه فهو باطل قطعا فإني أقول قول القائل : أن أسماء اللّه تعالى صارت أوصافا له لا يخلو ما إن عني به عين تلك الصفات أو مثلها ، فإن عنى به مثلها من حيث الاسم والمشاركة في عموم الصفات دون خواص المعاني ، فهذان قسمان وإن عنى به عينها فلا يخلو إما أن يكون بطريق الإنتقال لصفات الرب إلى العبد أولا بالانتقال ، فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو إما أن يكون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فتكون صفاته صفاته ، وإما أن يكون بطريق الحلول . وهذه أقسام ثلاثة : وهو الإنتقال والاتحاد والحلول ، وقسمان متقدمان فهذه خمسة أقسام الصحيح منها قسم واحد ، وهو أن يثبت للعبد من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ، ولكن لا تماثلها مماثلة تامة ، ثم أطال الكلام في القسم الثاني والثالث والرابع والخامس بما ليس هو من غرض هذا المقام ثم قال : فإن قلت : فما معنى قوله إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل فما معنى السلوك وما معنى الوصول على رأيه ؟ فأعلم أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف ، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد في جميع ذلك مشتغل بنفسه عن ربه لأنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول ، وإنما الوصول أن تنكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا اللّه ، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك إلى نفسه لغير ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق ، وكل ذلك طهارة وهي البداية وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول عنده ، واللّه أعلم . ( فإذا الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصراط ) السوي قال اللّه تعالى :( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ )أي أكثر قربا ( وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله وأقربهم إلى اللّه عز وجل أعرفهم به ) فدرجات القرب مختلفة بقدر المعرفة ( وأعرفهم به لا بد وأن يكون أعبدهم له ) أي أكثرهم عبادة له