تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
تعالى فيه ، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة لم يفتقر إلى تنويع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات واحدا وهو حضور القلب مع اللّه تعالى في كل حال فلا يخطر بقلوبهم أمر ولا يقرع سمعهم قارع ولا يلوح لأبصارهم لائح إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد ، فلا محرك لهم ولا مسكن إلا اللّه تعالى . فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازديادهم فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة وهم الذين فروا إلى اللّه عز وجل كما قال تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذاريات : 49 ، 50 ] وتحقق فيهم قوله تعالى :
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
[ الكهف : 16 ] وإليه الإشارة بقوله :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الصافات : 99 ] وهذه منتهى درجات الصديقين
شرح
( فمن ارتفعت رتبته ) من حضيض المجاز ( إلى ) ارتفاع حقيقة ( هذه الدرجة ) واستكمل معراجه فرأى بالمشاهدة العيانية ان ليس في الوجود إلّا اللّه وأنكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ القصص : 88 ] كما هو مقتضى كلام الموحد المستغرق ( لم يفتقر إلى تنويع الأوراد ) وترتيبها ( واختلافها ، بل كان ورده بعد المكتوبات وردا واحدا وهو حضور القلب مع اللّه عز وجل في كل حال ) وذلك بالتوجه والمراقبة ، وبه يحصل دوام الجمعية ودوام قبول القلب وهو المعنى الذي يسمى جمعا وقبولا ، ولما كان الحضور متوقفا على المراقبة وهي مفاعلة فلا بد من التراقب من الجانبين ، فعلى هذا لا بدّ للمراقب أن يكون مراقبا لاطلاعه على اطلاع الحق سبحانه على أحواله أو مراقبا لاطلاعه على موجده فلا فتور ، أو يكون مراقبا لقلبه ( ولا يخطر بقلبه أمر ) يشتت خاطره ( ولا يقرع سمعه قارع ولا يلوح لبصره لائح ) ، فحينئذ يتيسر له الربط بقلبه الحقيقي من غير ملاحظة معنى المفاعلة ، وإذا فرض خطور أمر بقلبه لكن لا بطريق الحلول فيه أو قرع قارع أو تلوح لائح ، لكن لا يكون ( إلا كان له عبرة وفكرة ) في كل من ذلك ( ومزيد ) حال وأنوار كما هو شأن الكمل ، ( فلا ) بأس بذلك إذ من مقامه عرفان أن لا ( محرك له إلا اللّه ولا مسكن إلا اللّه ) وهذا أقرب إلى الخدمة الإلهية ، وبه يتوصل إلى الوزارة العظمى والإشراق على الخواطر وتنوير الغير والنظر إليه بعين الموهبة . ( فهذا جميع أحواله تصلح أن يكون سببا لازدياده ) بتقوية البصيرة واذهاب الصورة وظهور المعنى المقصود ، ( فلا يتميز عنده عبادة عن عبادة ) ولا حال عن حال ( وهو الذي فرّ ) عن نفسه ( إلى اللّه تعالى كما قال عز وجللَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ( وتحقق فيه قوله تعالىوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) والإشارة في قوله ( إلا اللّه ) فهؤلاء نفوا عن قلوبهم عبادة غيره تعالى فلم يحل فيها خاطر للسوى قط ، ( وإليه الإشارة بقولهإِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) فالذهاب إلى اللّه هو الغنى في اللّه بحيث لا يبقى له خبر عما سوى اللّه . ( وهذه ) الرتبة ( منتهى درجات
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 505 | مرتضى الزبيدي