من ركعتين شغله عنهما الوفد ، ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد العصر ولكن في منزله لا في المسجد كي لا يقتدى به . روته عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما .
فإن قلت : فهل لغيره أن يقتدي به في ذلك مع أن الوقت وقت كراهية ؟ فاعلم أن المعاني الثلاثة التي ذكرناها في الكراهية من الاحتراز عن التشبه بعبدة الشمس أو السجود وقت ظهور قرن الشيطان أو الاستراحة عن العبادة حذرا من الملال لا يتحقق في حقه فلا يقاس عليه في ذلك غيره ، ويشهد لذلك فعله في المنزل حتى لا يقتدى به صلّى اللّه عليه وسلم .
شرح
الوفد ، ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد العصر ولكن في منزله لا في المسجد كي لا يقتدى به ، وروت ذلك عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما ) .
قال العراقي : متفق عليه من حديث أم سلمة : « أنه صلى بعد العصر ركعتين وقال : شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر » ولها من حديث عائشة ما تركهما حتى لقي اللّه عز وجل ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته اه .
قلت : ولفظ حديث أم سلمة : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فلما انصرف قال لي سألت عن الركعتين بعد العصر أنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن اللتين بعد الظهر فهما هاتان بعد العصر » هكذا هو سياق الشيخين وهذا مختصر ، وأما لفظ حديث عائشة عندهما : « ما ترك النبي صلّى اللّه عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط » . وعند مسلم : « كان يصلي ركعتين قبل العصر ثم أنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد ثم أثبتهما » وكان إذا صلى صلاة أثبتها . وذكر ابن حزم أن حديث هاتين الركعتين نقل نقل تواتر فوجب العلم .
( فإن قلت : فهل لغيره أن يقتدي به في ذلك مع أن الوقت وقت كراهة ) أما كون الوقت وقت كراهة فقد تقدم في كتاب الصلاة مبسوطا ؟ ( فاعلم أن المعاني الثلاثة التي ذكرناها في الكراهة ) في كتاب الصلاة ( في الاحتراز من التشبه بعبدة الشمس أو السجود وقت ظهور قرن الشيطان أو الاستراحة عن العبادة حذرا من الملال ) والسآمة ( لا يتصور ذلك في حقه ولا يقاس عليه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك غيره ، ويشهد لذلك فعله لها في غير المسجد حتى لا يقتدى به ) واختلف العلماء في النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة هل للتحريم أو للتنزيه . ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان ، فالذي صححه النووي في الروضة وشرح المهذب وغيرهما أنه للتحريم ، وقد نص الشافعي على هذا في الرسالة ، وصحح النووي في التحقيق أنها كراهة تنزيه . وهل تنعقد الصلاة لو فعلها أو هي باطلة ؟ صحح النووي في الروضة تبعا للرافعي بطلانها ، وظاهره أنها باطلة . ولو قلنا بأنها مكروهة كراهة تنزيه وقد صرح بذلك النووي في شرح الوسيط تبعا لابن الصلاح واستشكله الأسنوي في المهمات بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب . قال تلميذه الولي العراقي : ولا إشكال لأن نهى التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة كنهي التحريم كما هو مقرر في الأصول . وحاصله أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر وإلا يلزم أن يكون الشيء مطلوبا منهيا ولا يصح إلا ما كان مطلوبا واللّه أعلم .