في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة ، فإن المراد منه تغيير الصفات الباطنة ، وآحاد الأعمال يقل آثارها بل لا يحس بآثارها ، وإنما يترتب الأثر على المجموع ، فإذا لم يعقب العمل الواحد أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه يريد أن يكون فقيه النفس فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير ، فلو بالغ ليلة في التكرار وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ، ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة لأثر فيه ، ولهذا السر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ » . وسئلت عائشة رضي اللّه عنها عن عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملا أثبته . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عوده اللّه عبادة فتركها ملالة مقته اللّه » . وهذا كان السبب في صلاته بعد العصر تداركا لما فاته
شرح
بأنواعها ، ( فمن عرفه لم يعبد غيره ) وإليه الإشارة في آية الكهف المتقدمةوَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ[ الكهف : 16 ] وفي قوله تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُومن ظن أنه قد استغنى عن الطاعة فهو زنديق قال اللّه تعالى :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ[ آل عمران : 31 ] ( والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة ) فإن من ليس له ورد فما له من الموارد أمداد .
( فإن المراد منها تغيير صفات الباطن ) المذمومة بالمحمودة وتهذيب الظاهر بأنوار الشريعة ، ( وآحاد الأعمال يقل آثاره بل لا يحس له بأثر ) وفي نسخة : تقل آثارها لا يحس بآثارها ، ( وإنما ترتيب الآثار على المجموع ) وفي نسخة : وإنما يترتب على المجموع ، ( فإذا لم يعقب العمل الواحد اثرا محسوسا ولم يردف بثان ولا ثالث على القرب انمحى أثر الأول ) سريعا ( وكان كالفقيه الذي يريد أن يكون فقيه النفس فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير ) ومزاولة شديدة ، ( فلو بالغ ليلة في التكرار ) بأعمال الهمة والشوق ( وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ) تأثيرا نافعا ، ( ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة ) بعضها ببعض ( لأثر فيه ، ولهذا السر قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل » ) العمل المداوم عليه لأن النفس تألفه فيدوم بسببها الإقبال على الحق ، ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل ، والحديث متفق عليه عن عائشة رضي اللّه عنها .
( وسئلت عائشة رضي اللّه عنها عن عمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : « كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملا أثبته » ) أي أحكم عمله بأن يعمل في كل شيء بحيث يدوم دوام أمثاله . رواه مسلم وأبو داود من حديث عائشة رضي اللّه عنها ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عوده اللّه عز وجل عبادة فتركها ملالة مقتة اللّه تعالى » ) تقدم في الصلاة وهو موقوف على عائشة قاله العراقي .
قلت : وتقدم أيضا أنه رواه ابن السني في رياضة المتعبدين .
( وهذا هو السبب في صلاته صلّى اللّه عليه وسلم بعد العصر تداركا لما فاته من ركعتين شغله عنهما