تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
على العبادات البدنية أمران . أحدهما العلم والآخر الرفق بالمسلمين ، لأن كل واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة تفضل سائر العبادات بتعدي فائدته وانتشار جدواه فكانا مقدمين عليه . السادس : الموحد المستغرق بالواحد الصمد الذي أصبح وهمومه همّ واحد فلا يحب إلا اللّه تعالى ولا يخاف إلا منه ولا يتوقع الرزق من غيره ولا ينظر في شيء إلا ويرى اللّه
شرح
أحدهما : العلم ) أي الاشتغال به ، ( والآخر : الرفق بالمسلمين ) والنظر في مصالحهم ، ( لأن كل واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة وتفضل سائر العبادات بتعدي فائدتهما ) إلى الغير ( وانتشار جدواهما ) أي نفعهما ( فكانا مقدمين على سائر العبادات ) لذلك . ( السادس : الموّحد المستغرق بالواحد الصمد ) جل جلاله ( الذي أصبح وهمه هم واحد ) قد انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها ، فلم يبق فيه متسع لغيره ولم يكن همه سوى اللّه تعالى ، وهو المشار إليه في الخبر الذي رواه الحاكم عن ابن عمر « من جعل الهموم هما واحدا كفاه اللّه ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ومن تشاعبت به الهموم لم يبال اللّه به في أي أودية الدنيا هلك » . ( فلا يحب إلا اللّه عز وجل ) وآيته أن يكثر من ذكره ، ففي حديث عائشة « من أحب شيئا أكثر من ذكره » . رواه أبو نعيم ، ( ولا يخاف إلّا منه ) إذ ليس في نظره سواه ، ومن كان كذلك لا يخاف إلا منه . روى أبو الشيخ عن واثلة « من خاف اللّه أخاف اللّه منه كل شيء ومن لم يخف اللّه أخافه من كل شيء » وروى الترمذي عن أنس « من خاف أولج ومن أولج بلغ المنزل » . وقال حسن غريب . وروى الديلمي عن أنس « من خاف شيئا حذره ومن رجا شيئا عمل له ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية » ( ولا يتوقع الرزق من غيره ) إذ لا كافي في الحقيقة إلا هو والأرزاق بيد الخلاق ، فالعارف في تحصيل رزقه لا يتعدى نظره إلى غيره سبحانه ، ( ولا ينظر في شيء إلا ويرى اللّه عز وجل فيه ) ومعه ، وهذه درجة العلماء الراسخين فإليها الإشارة بقولهسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصلت : 53 ] وصاحب هذه الدرجة صاحب استدلال بالآيات ، وأعلى من هذا من يرى شيئا فيرى اللّه قبله وإليه الإشارة بقولهأَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[ فصلت : 53 ] وصاحب هذا المقام صاحب مشاهدة وهي درجة الصديقين وليس بعدهما إلا درجة الغافلين المحجوبين فمنهم من يرى الأشياء به ، ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء . وتحقيق ذلك أن كل ما سواه فوجوده مستعار وقوامه ليس بنفسه ، ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض ، فترى أن من استعار ثيابا وفرسا وركبا وسرجا وركبه في الوقت الذي أركبه المعير وعلى الحد الذي رسمه له غني بالمجاز أو بالحقيقة أو ان المعير هو الغني أو المستعير ؟ كلا بل المستعير فقير في نفسه كما كان ، وإنما الغني هو المعير الذي منه الإعارة والاعطاء وإليه الاسترداد والانتزاع .